تبسيط الحياة، تمرّد الآلات

*

المقال الأخير من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

نحن نعيش اليوم في عصر نستطيع فيه أن نتحكّم بمعظم الأشياء المتواجدة حولنا بنقرة زرّ واحدة؛ نقرة صغيرة على الهاتف تتيح لنا التواصل مع أي شخص نريده في العالم، ونقرة زرّ صغيرة أخرى تتيح لنا تحضير الطعام أو تسخين المياه أو تبريد الغرفة، ونقرة أخرى تدير محركات سيّاراتنا وتنقلنا إلى مسافات بعيدة لم يكن أجدادنا يحلمون بتجاوزها. لهؤلاء الأجداد، ستبدو حياتنا اليوم سحرية بالكامل، بل خيالية؛ ولن يخطر على بالهم أبداً أن كل هذا التطوّر قد أطلق أيضاً بعضاً من أسوأ كوابيسنا لتحكم واقعنا.

هل تريدون أن تبقوا سجناء طوال حياتكم؟

هل تريدون أن تبقوا سجناء طوال حياتكم؟

كل هذه النقرات التي تسهّل حياتنا، تأسرنا أيضاً في أسلوب عيش يجعلنا عبيد لكل أشيائنا؛ ويجعلنا عبيداً للمال الذي نحتاجه لامتلاك هذه الأشياء. رغم أننا نحتاج للحظة واحدة فقط للقيام بكل تلك الأمور، إلا أننا نفتقد للوقت الحرّ أكثر من أي وقت مضى. ورغم أننا نحتاج لنقرة واحدة لنتّصل بأي شخص، إلا أننا نشعر بالوحدة أكثر من أي وقت مضى، حتى إن مرض الاكتئاب هو من أكثر أمراضنا المعاصرة انتشاراً وخطورة. ورغم أننا لا نحتاج سوى لتحريك أصابعنا لنقوم بمعظم الأمور في العمل والمنزل، إلا أن ذلك لم يحرّر أجسادنا لنرقص في الحياة بل أجبرنا على قضاء أيامنا جلوساً خلف شاشات مختلفة، حتى أن أمراض السمنة والسكري والقلب وانسداد الشرايين تفتك بنا أكثر من الحروب. نحن نتناول أطعمة متنوّعة لم نكن لنحلم بوجودها منذ أعوام قليلة، إلا أننا لم نعد نعرف ماذا نأكل باستثناء أننا نتناول سموماً مميتة معظم الوقت. وفوق كلّ ذلك، رغم كلّ العلم الذي يحيط بنا وكل المعلومات التي تتدفّق يميناً وشمالاً من حولنا، لا يوجد شخصان من بيننا يتّفقان على رأي واحد، فيما لا يزال طغاة المال والسلطة يتحكّمون بكافة تفاصيل حياتنا.

حياتنا اليوم تبدو سحرية فعلاً، ونقرات قليلة كافية لتسيّر معظم أمورنا فيها، إلا أن أن الثمن هو أننا نعيش حياة أكثر وحدة وانشغالاً وتوتّراً وإرهاقاً وتعاسة وتسارعاً. حين يدرك البعض منّا أن الحياة التي نعيشها ليست حياة حقيقية بل سجن مغلق وسباق للفئران لا نهاية له، يحاولون غالباً معالجة الداء بالداء، فيعتقدون أن الإجابات تكمن في المزيد من تطبيقات الهاتف الذكي أو المزيد من المال أو المزيد من العمل أو المزيد من الترفيه. لكن المشكلة في حياتنا أيضاً أيها الأصدقاء هي أننا نمتلك الكثير من كل شيء وما نحتاج إليه ليس المزيد من الأمور، بل الأقل منها، نحتاج للتبسيط لا للتعقيد. نحتاج للعودة إلى الأساسيّات لا للتلهّي بالمزيد من القشور في الحياة.

يوجد نقرات لكل شيء تقريباً في حياتنا، لكن لا يوجد نقرة بإمكانها تبسيطها وتحسينها وإعادة زمام أمورها إلى أيادينا. لا يوجد نقرة لذلك لأنه لا يوجد أداة تكنولوجية سحرية يمكننا أن نستخدمها لذلك؛ لا يوجد سوى إرادتنا. إرادتنا هي الأمر الوحيد الذي نحتاجه للخروج من منظومة العبودية السائدة. وهذا ما حاولنا أن نوقظه في هذه السلسلة: إرادة التحرّر والقوّة والخلق. إرادة إيجاد حياة بشروطنا نحن، لا بالشروط التي فرضتها علينا هذه المنظومة الظالمة. تبسيط الحياة أيها الأصدقاء، ليس مجرّد رحلة نحو حياة أكثر حقيقيّة وسعادة وصحية وهدوءاً فحسب، بل هي أيضاً مهمّة روحية كبرى في زمن لم نعد فيه سوى آلات باردة.

تبسيط حياتنا واختيار أسلوبها بأنفسنا هو تمرّد على منظومة استعبادية لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري؛ منظومة لا تكتفي بقتل أجسادنا وأرواحنا بل تلتهم العالم بأكمله شخصاً بعد شخصاً، شعباً بعد شعب، غابة بعد غابة، ونهر بعد نهر. قال أحدهم مرة أن حضارتنا الحالية تسبقها الغابات وتلحقها الصحارى، ولعلّ كثرة الإنشغالات التي تخلقها لنا ليست سوى لإلهائنا عن الآلام والصحارى التي تهيمن اليوم على حياتنا.

تمرّدنا على هذا الواقع لا يقف عند استعادة زمام السيطرة على حياتنا، بل هو خطوة أولى للانفكاك عن آلة تقتلنا وتقتل العالم لتكديس المزيد من المال والسلطة.

في هذه المنظومة السائدة ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، نحن لسنا سوى قطع صغيرة في آلة ضخمة؛ كل واحد منّا هو مجرّد برغي يمكن استبداله بسهولة في منظومة لا تكترث بحياتنا الفردية ولا تكترث ما إذا عشنا حياة سعيدة ومُرضية أم لا. لقد حان الوقت لهذه الروبوتات أن تتمرّد وأن تستعيد إنسانيتها؛ على أمل أن تكون هذه السطور خير معين لكلّ من يقوم الآن بخطواته الشجاعة الأولى نحو الحرية…

5 comments

  1. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  2. mourinto · يونيو 20, 2015

    مرحى ياعزيزي وصديقي الرائع
    انتهت سلسلتك الرائعة ويالا الاثر الرهيب التى تركته في انفس الكثيرون
    أعمل الان على طباعةكافة صفحات السللة والاحتفاظ بها على هيئة نسخة ورقية

    كنت ساواصل مراسلتك على الميل الخاص
    ولكن اريد ان اخبرك امام الناس ان هذه السلسلة كان لها الفضل في العديد من التغييرات في حياتي -اخبرتك عن الكثير منها من قبل-
    حتى اني الان اعمل على تعديل عملي بالكامل
    واعمل على دراسة جديدة لو حققت مبتغاي فيها ستحررني من قيد المكان والالتزام بمواعيد العمل وتحقق لي الكثير مما ارغب وستوفر لي دخل افضل
    لقد بدأت بالفعل وامامي مايقرب من عام حتى اصبح محترف في هذا النطاق الجديد الابسط من عملي الحالي للغاية ويعتمد على قدراتي الذهنية بشكل أكبر
    اجد صعوبة للدراسة المكثفة وطبيعة عملي الشاق الحالي لكن لابأس بزيادة التعب لمدة وجيزة كي احقق الانفلات من المنظومة بأسرها الحالي
    واحقق حرية من الاسر في بلد واحد او مكان واحد
    واتخلص من بيع قوتي الجسدية واعمل في مجال محبب لي أكثر

    شركاص لك جزيلاً ايها الرائع على مجهودك الرهيب
    وانتظر جديدك بفارغ الصبر

    • Adon · يونيو 21, 2015

      اخبار ممتازة صديقي : ) سعيد لأنك جعلت الأمور تسير بالاتجاه الذي تريده في حياتك وسعيد أكثر لأن المدونة هنا ساهمت بذلك. إلى المزيد من التوفيق عزيزي!

  3. Aissa · يونيو 20, 2015

    ختام رائع وسلسلة أروع .. كانت رحلة مليئة بالاثارة والتحدي .. شكرا طوني .. وفي انتضار جديدك.

    • Adon · يونيو 21, 2015

      شكراً عيسى
      تحياتي

التعليقات مغلقة.