الإله ذو الوجوه الثلاثة: رحلة إلى أحد أهم مراكز الحج الهندوسية

المعابد على ضفاف بحيرة بوشكار.

المعابد على ضفاف بحيرة بوشكار.

حين قام أحد الغرباء في سوق صغير ومزدحم في بلدة مجهولة في الهند بإعطائي وردة صغيرة، لم أعلم في تلك اللحظة أن هذا الفعل الصغير سيأخذني إلى أول تجربة مباشرة لي مع الديانة الهندوسية في أحد أهم مواقع الحجّ لديها في العالم. الرجل الذي أعطاني الوردة دلّني على طريق صغير ينتهي بدرج وقال لي أن اتبعه حتى أصل للبحيرة المقدسة، حيث يجب أن اتمنى أمنية قبل أن أرمي الوردة في البحيرة على مرأى من الآلهة القديمة.

تابعت المشي مع أصدقائي بين حشود الحجاج الهندوس عابرين السوق المزيّن بآلاف الأقمشة الملونة وروائح التوابل وصراخ الباعة، لنصل إلى درج واسع من الرخام، وما هي سوى لحظات حتى فوجئنا بانفتاح الدرج على بحيرة واسعة كانت مخفية عن الأنظار وراء المباني القديمة. يعتقد الهندوس أن هذه البحيرة نشأت من إحدى دمعات الإله شيفا التي ذرفها على زوجته ساتي عند وفاتها. هنالك عشرات المعابد المختلفة المنتشرة على ضفاف البحيرة، وهي ممتلئة بالمؤمنين الهندوس الذي يمارسون طقوسهم بهدوء؛ منهم من يستحم في المياه ويغسل رأس طفله بحركات رمزيّة متتابعة، ومنهم من يشعل البخور ويقدّم التقديمات في المعابد ومنهم من يصلّي بوقع موسيقي خلال ترتيله للمانترا (الصلوات السنسكريتية القديمة) أمام تماثيل الآلهة.

إحدى جوانب بحيرة بوشكار ويبدو المؤمنون الهندوس في الصورة.

إحدى جوانب بحيرة بوشكار ويبدو المؤمنون الهندوس في الصورة.

بوشكار هي بلدة صغيرة تضمّ مئات المعابد وتقع على لسان صحراء راجستان في الهند، ورغم أنها إحدى أهم مواقع الحج الهندوسية، لا اعتقد أن كثر يعلمون عنها خارج الهند. صحيح أن رمي وردة في بحيرة بعيدة في بلد غريب في ظلّ أصوات الصلوات والطقوس القديمة يبدو أمراً شاعرياً، إلا أن القصة التي أخبرتني إياها بوشكار عن حالة الديانة الهندوسية ليست رومنسيّة جداً.

السبب الأساسي الذي دفعني لاتخاذ قرار زيارة بوشكار خلال رحلتي الأخيرة إلى الهند هو أنها تضم المعبد الوحيد في العالم المخصّص للإله براهما-فيشنو-ماهش ، الإله ذات الوجوه والوظائف الثلاثة والذي يشكّل أسمى تعبير في الهندوسية عن مبدأ تريمورتي ، وكنت قد تعرّفت على المبدأ هذا بعد تجربة روحيّة معيّنة في العام 2010 ساعدتني على اكتشاف الكثير من الأجوبة فيما بعد. كما يعلم بعض القراء، ليس هنالك من ديانة هندوسية واحدة بل عشرات الديانات المحلية المختلفة، والإله براهما-فيشنو-ماهش هو فرع ديني صغير نسبياً؛ وتعتبر بعض الديانات الهندوسية أنه يحرّك عجلة الوجود بأوجهها الثلاثة عبر الخلق (براهما)، الاستمرارية (فيشنو)، والتدمير (شيفا).

معبد براهما-فيشنو-ماهش.

معبد براهما-فيشنو-ماهش.

ما أن وصلنا إلى ضفاف البحيرة عند مدخل معبد براهما-فيشنو ماهش، حتى استقبلنا بعض الكهّان من طبقة البراهمة (أعلى طبقة اجتماعية-دينية في الهند والطبقة المهيمنة على الهرميّة الدينية). بعضهم كان يرتدي ثياب عادية فيما البعض الآخر كان يرتدي ثيابه الكهنوتية التقليدية، لكن المشترك بينهم أن جميع من حولهم كان يعاملهم باحترام على أنهم أصحاب سلطة.

كنت أودّ التحدّث مع الكهنة هناك للتعرّف عن قرب على هذا الوجه من الهندوسية، ولذلك كنت منفتحاً على الفكرة حين بدأ أحد الكهنة بالحديث معي حول المكان ورمزيته الدينية. الكاهن الذي كان يتحدّث معي كان رجلاً أسمر في الأربعينات من عمره، لديه حلقات فضية على كل أذن وسوار على يده وحلي أخرى على رقبته ومعصمه، وجميعها من الحلي الهندية التقليدية المستخدمة غالباً للإشارة إلى الطبقة الاجتماعية لكل شخص. بدا أنه يعرف وظيفته الدينية جيداً، لكنني شعرت من الوهلة الأولى أنه أقرب للبائع منه للكاهن. في النظام الاجتماعي الهندي يمكن لكل من ينتمي لطبقة البراهمة ممارسة دور الكاهن فيما يحرّم عليه القيام بوظائف عادية وأعمال تجارية كبقية الطبقات. النتيجة هي أن العديد من أفراد هذه الطبقة باتوا يتاجرون عملياً بالدين، بما أن مكانتهم الدينية تعطيهم أفضلية على الآخرين فيما لا تسمح لهم التقاليد بممارسة التجارة مباشرة.

جلب الكاهن القليل من الأدوات الطقوسية لرفع صلاة صغيرة للآلهة لكي تقبل زيارتنا وتبارك عائلتنا وحياتنا. صحيح أنني لست هندوسياً لكن من قرأ مدونتي لفترة كافية يعلم انني وثني بالفطرة واتبع المثل العربي القديم القائل بأنك “عندما تدخل قرية، احلف بآلهتها” [1] ، وبالتالي الصلاة لآلهة آخرى هو ممارسة طبيعية في الديانات الوثنية القديمة ودليل على احترام آلهة الآخرين، بغض النظر عن اعتقادنا بها من عدمه.

أحد الرهبان المتعبدين للإله شيفا على ضفاف بحيرة بوشكار.

أحد الرهبان المتعبدين للإله شيفا على ضفاف بحيرة بوشكار.

بدأ الكاهن بترديد الصلوات لبراهما-فيشنو-ماهش وشيفا بشكل خاص باللغة السنسكريتية القديمة، وحين ردّدت معه بعض الصلوات كانت كلماتها تحمل مع صوتي إيقاعاً سحرياً حميماً نادراً ما شعرت به سابقاً. حملت الوعاء الفضي الصغير الموضوع أمامي وكان عليه خمسة أشياء: بتلات الورود التي كانت بحوزتي، جوزة هند، القليل من الرزّ، معجون مصنوع من الورد الأحمر وآخر مصنوع من الورد البرتقالي (يتم صنعه بطحن بتلات الورد مع القليل من المياه والسكر)، والرزّ. المعجون البرتقالي يرمز لعملية الخلق، فيما يرمز الرزّ لعملية الاستمرار، أما الأحمر فهو يرمز طبعاً لمرحلة التدمير.

سألني الكاهن عن عائلتي والناس التي أوّد ذكرها في الصلاة، فأخبرته. أكمل الكاهن ترتيل صلواته فيما أحمل الوعاء في حضني، ومن ثم رميت بتلات الورود في البحيرة بعد تمني أمنيتي الخاصة. وأخيراً مزج الكاهن معجون الورد مع الرزّ ثم وضع به إشارة على جبيني بين حاجبي، حيث تقع العين الثالثة وفقاً للتقاليد القديمة – عين الروح التي يمكننا أن نرى عبرها الحقيقة القابعة خلف هذا العالم.

ما ان انتهى هذا الطقس الصغير حتى أتى الجزء الذي كنت اتوقعه والذي أكد لي انطباعي عن الكاهن أمامي، إذ طلب مبلغاً من المال قال أنه تبرّع يهدف للحفاظ على المكان ولدعم استمراريته. كنت سأتبرع في كلّ الأحوال للمعابد هناك، لكن الطريقة التي طلب بها المال وكيف أنه طلب رقماً محدّداً وكبيراً مقابل الطقس الذي أدّاه سبّبت لي خيبة أمل متجدّدة تجاه هذا الوجه من الديانة الهندوسية. الرهبان والكهنة والمعابد في الدين الهندوسي قائمين إلى حدّ كبير على تبرّعات المؤمنين، وكنت أتوقع من خلال تجارب سابقة لي أن ينتهي الأمر بطلب المال، لكن الأمر كان خيبة أمل بكلّ الأحوال وخصوصاً أنه لدي حساسيّة خاصة من طبقة الكهنة الذين يستخدمون الدين كوسيلة لتحصيل المال.

إلى ذلك، شعوري الداخلي تجاه المعابد والطاقة الروحية في المكان لم يكن إيجابياً كثيراً؛ كلما هممت بدخول معبد شعرت بالكثير من الثقل وحتى شعور الاختناق احياناً ولم ينتابني ذلك الحفيف الداخلي اللطيف الذي أحسست به في أماكن روحية أخرى. أينما التفت شعرت بأن التقاليد والعادات في هذا المكان هي أقوى بكثير من أي نبض روحي كان متواجد هنا يوماً ما؛ وكل شيء يرزح تحت ثقل نظام الطبقات والتقاليد الاجتماعية الموروثة، والتي جعلت من كل الممارسات الروحية مجرّد طقوس شكليّة بحت نادراً ما رأيت تحتها حرارة روحيّة حقيقية. الكهنة بدوا كأنهم يؤدّون عملاً روتينياً مملاً في مصنع ما، وبعض الحجّاج بدوا أكثر اهتماماً بجني المال من الأجانب المتواجدين في المكان بأية طريقة أكثر من اهتمامهم بأي شيء آخر، وحتى المعابد بدت كأنها منسيّة ومهملة.

بعد ذلك تابعنا التنزه في أنحاء البلدة بين الأسواق والمعابد لعدّة ساعات. فيما كانت الشمس تغيب وراء البحيرة عند طريق العودة، التفتت لمرة أخيرة على المعابد المتراصفة عند ضفة المياه، وتساءلت في نفسي حول إذا كان ما شعرته من ثقل روحي يخبرني بأن الآلهة ربّما هجرت هذا المكان منذ زمن طويل وتركته للتجّار والباعة الذي لم يروا منها شيئاً سوى أحجار صامتة تدرّ عليهم المال والمكانة. الآلهة على ما يبدو، لا تسكن في الأماكن التي يتاجر فيها الناس بآلام وأحلام بعضهم البعض. الرحلة ستستمرّ إذاً.

____________________________________

هوامش:

[1] هنالك الكثير من الدراسات التي تتحدّث عن التسامح الديني الاستثنائي في جزيرة العرب قبل الإسلام وعن أصل المثل الذي ذكرناه. منها مثلاً كتاب Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam، لروبرت هويلند، وكتاب “التاريخ المصوّر للعالم العربي” (بالإنكليزية).

 

2 comments

  1. Meklad · يناير 7

    عزيزى طونى ،،، تحية طيبة وبعد

    أتابعك من حين لآخر، وأعتبر نفسى من معجبيك، فتجاربك التى تحكيها لنا تملئها الحكمة .
    أما عن ذلك المقال فأنا أعترف أن الأديان جميعاً تبدو لى غامضة وغير واضحة، فنجد بها تعاليم التسامح والحب، ومن زاوية أخرى نجد فيها أوامر غير منطقية، أرى أنها لا تتناسب مع الطبيعة الإنسانية، ربما ردى بعيداً نوعاً ما عن موضوع المقال إلا أن هذا هو ما شعرت به عندما أنهيت قرائته .

    وأتمنى لك حياة سعيدة

    • Adon · يناير 7

      شكرا لك صديقي واوافقك انه هنالك العديد من الامور في معظم الاديان هي غير متناسبة مع الطبيعة الإنسانية وذلك في رأيي لان جزء أساسي منها نشأ من التركيبة السياسية-الاجتماعية السائدة خلال وقت تكوينها وليس من الطبيعة الانسانية الخام وبالتالي تعكس تلك التركيبة أكثر من كونها تعكس الطبيعة الإنسانية في الكثير من الاحيان.
      تحياتي لك

التعليقات مغلقة.