الرجال يبحثون عن الجمال… وهذا ليس مدعاة للعار

 رؤية الجمال في الأشياء هو إحدى الأمور التي تميّزنا كبشر. الصورة هي إحدى الرسومات الشهيرة لدافينشي لمقاييس الرجل.

رؤية الجمال في العالم هو إحدى الأمور التي تميّزنا كبشر. الصورة هي إحدى الرسومات الشهيرة لدافينشي لمقاييس الرجل.

*

طوني صغبيني

*

شاءت الظروف أن أفتح تويتر الأسبوع الماضي وأرى سيلاً من النقاشات الحامية حول شعر الجسد لدى النساء. ما حصل على ما يبدو هو أن بعض النسويات شاركن صور تظهر امتناعهنّ عن حلق شعر أجسادهنّ كسيقانهنّ وإبطهنّ وبطونهنّ وأيديهنّ، ليشتعل النقاش من بعدها حين لاقى ذلك تعليقات سلبية من رجال ونساء آخرين. النسويات بغالبيّتهن رفضن أي طرح يقول أنه من الأفضل على النساء حلق شعر أجسادهنّ، لأنهنّ اعتبرن أنه مثلهنّ مثل الرجال في هذا الأمر، وبالتالي كما أن الرجال يستطيعون الامتناع عن حلق شعر أجسادهم فكذلك النساء، وكل ما غير ذلك هو طروحات أبوية قمعيّة ومتخلّفة تهدف للسيطرة على أجساد النساء.

شخصياً لا يهمني على الإطلاق إن كانت هنالك نساء تريد أن تترك شعر جسدها وأن تهمل اتّباع معايير الجمال التي يفرضها المجتمع المعاصر، فلكل شخص جسده وهو حرّ بكيفية تصرّفه به، والعديد من المعايير التي تفرضها الثقافة السائدة هي غير منطقية أصلاً، لكني من ناحية أخرى لا أستطيع سوى أن ألاحظ وأن أقلق كيف أن جزء كبير من الحركة النسوية بات يركّز خلال السنوات الأخيرة على قضايا سطحيّة وجزئيّة وشخصيّة لهذه الدرجة. كما حالة التيارات التحرّرية الأخرى، يبدو أن النسويّة أيضاً تتجه اليوم للانعزال ضمن فقاعات الكترونية هي عبارة عن غرف مغلقة لا يُسمع فيها أي صوت خارج “العقيدة الرسمية”، ما يبعدها شيئاً فشيئاً عن الواقع ويسهّل عليها التركيز على أمور جزئية – بل سخيفة – مثل كيفية جلوس الرجال في المترو أو إرخاء شعر الإبط لدى النساء.

لا أفهم كيف يمكن أن يكون هذا الموضوع الشخصي والجانبي محط نقاش هائل في الأوساط اليسارية والتحرّرية في الوقت الذي يحترق فيه العالم من شماله إلى جنوبه. يبدو أنه أمام تعاظم أزمات العالم والمنطقة بشكل خاص، هنالك جزء من الحركة النسوية واليسار قرّر التلهّي بأسخف الأمور على الإطلاق بدل الارتقاء لمستوى التحدّي والتعامل مع المشاكل الحقيقية التي تواجهنا كلّ يوم. النقاش حول شعر الساقين في زمن انهيار الحضارة هو كالنقاش حول جنس الملائكة خلال سقوط روما، كيف سيساعدنا ذلك على مواجهة داعش ومشاريع الخلافة في كل دولة عربية وميليشيات الأمر الواقع والتعامل مع تداعي الاقتصاد العالمي ومع الانهيار المناخي وكافة الأزمات المشتعلة التي يشهدها الكوكب؟

هذا لا يعني أنني اتحدّث عن تهميش قضايا النساء كما قد تعتقد بعض النسويات اللواتي ينتظرن أقلّ كلمة لاتهام الآخر بالتكفير النسوي، إذ لم يتغيّر إيماني منذ اليوم الأوّل بأن تحقيق العدالة للنساء هو أمر أساسي لإعادة التوازن لهذا العالم. مشكلتي هي مع هذا التيار الصاعد في النسوية (والذي يكاد يصبح مهيمناً عليها) الذي يكره الرجال بكل ما للكلمة من معنى، ويشنّ حرب على كلّ ما هو أنثوي (باعتبار أن كل ما هو أنثوي خاضع للبطريركية وبالتالي سيء)، ويخوض معاركه مع النساء اللواتي لا يوافقن على طروحاته بدل أن يحارب سلطات الأمر الواقع.

هذا من ناحية أولى. والآن فلنناقش مسألة إرخاء الشعر قليلاً وعقلانية هذا الأمر. كل من يعرف النساء والرجال يستطيع أن يلاحظ أن النساء تحاول فرض معايير الجمال على بعضهنّ البعض أكثر بكثير من محاولة الرجال فرضها على النساء، ومنها مسألة شعر الجسد. معظم الرجال مثلاً لا يكترثون ببضعة كيلوغرامات زائدة على جسد حبيبتهنّ، ولا يكترثن بالقليل من الوبر أو الشعر على جسدها في بعض الأماكن؛ معظم النساء من جهة أخرى مهووسات بوزنهنّ وهنّ أوّل من يلاحظ أي شعرة زائدة على جسد النساء الأخريات. لذلك، التعامل مع الموضوع كأن الرجل يحمل سوطاً بيده ويفرض على النساء حلق شعر جسدهنّ كل يوم رغماً عنهنّ هو معالجة ناقصة وغير منطبقة على الواقع.

إحدى رسومات دافينشي أيضاً لرأس إمرأة. لوحة لاسكابيغلياتا.

إحدى رسومات دافينشي أيضاً لرأس إمرأة. لوحة لاسكابيغلياتا.

إلى ذلك، نسويات تويتر أحرار بأجسادهنّ طبعاً، والرجال بدورهم أحرار برفضهم وبالاستمرار في تأخرهم وامتناعهم بشكل عام عن الزواج – وهي ظاهرة بدأت بالبروز بقوّة في صفوف الرجال خلال السنوات الأخيرة. لا تعدن لتسألن أنفسكنّ بعد عشر سنوات “أين ذهب الرجال؟”، كما تطرح اليوم العديد من النساء اللواتي يبحثن عن شخص مناسب ليرتبطن به من دون نتيجة، الرجال تدوسهم الأنظمة وتسحقهم كل يوم (كما النساء وأكثر في بعض المجالات) ولديهم أزماتهم الخاصة في التكيّف مع هذا الأمر، وإطالة الشعر على سيقان النساء لا يزيد أبداً من حماستهم للارتباط. لم التق بعد برجل يحبّ الارتباط بفتاة لديها شعر أكثر منه، وهذا التفضيل غير متعلّق بمؤامرة شرّيرة ما، بل هو بكل بساطة تفضيل طبيعي لما هو أنثوي أكثر.

وهذا هو الأمر الأهم الذي يبدو أن بعض نسويات تويتر لا تلاحظه: الأفكار لا تستطيع تغيير الطبيعة؛ وفي الطبيعة كل الثدييات تمتلك صفات جسديّة محدّدة تحدّد أنماط الانجذاب بين الإناث والذكور؛ العصافير الذكور تستخدم غنائها وصوتها لجذب العصافير الإناث، الغوريلا الذكور يتقاتلون فيما بينهم لإظهار قوّتهم وجذب الإناث، واللبوات تنجذب عادة للأسد صاحب اللبدة الأكبر والداكنة أكثر لأنها تشير إلى قوّته وفحولته (اللبدة هي الفرو الذي يحيط بعنق الأسد). والبشر ليسوا استثناءً على الطبيعة ويمتلكون بدورهم صفات جسدية تحدّد أنماط الانجذاب الجنسي والنفسي بينهم. فرادة البشر هي في أنهم يمتلكون أنماط متنوّعة تاريخياً للانجذاب الجنسي: مثلاً غياب الشعر عن جسد الرجل كان في اليونان القديمة عاملاً يجذب النساء، والمؤخرة الكبيرة والأثداء الكبيرة لدى النساء كانت في الماضي عاملاً يجذب الرجال (حسناً سأعترف هذه أمور لا تزال تجذبنا حتى الآن كرجال، الرجال لم يتغيروا كثيراً عبر التاريخ).

المثير للاهتمام أنه رغم تنوّع أنماط الانجذاب الجنسي البشري، هنالك أمر مشترك في كل التاريخ البشري هو أن معظم الإناث تنجذب بشكل أكبر للرجل الأكثر ذكورة ومعظم الرجال ينجذبون بشكل أكبر للنساء الأكثر أنوثة. التفاصيل تتغيّر لكن هذه الفكرة عامة كانت ثابتة عبر التاريخ. وهذا أمر غير مرتبط بالثقافة السائدة بل بالطبيعة وبالتركيبة البيولوجية لكلّ من الرجال والنساء، ولن يتغيّر بتغيّر أفكارنا حوله. يحدث اليوم أن يكون عدم وجود شعر على جسد النساء من إحدى علامات الأنوثة، وبالتالي يجذب الرجل أكثر من وجود شعر على أجسادهنّ (الذي يعتبر من علامات الذكورة).

تستطيع نسويات تويتر الامتناع عن حلق شعر أجسادهنّ، لكن ذلك لن يغيّر من حقيقة أن معظم الرجال ينجذبون للنساء اللواتي يمتلكن شعر أقلّ على أجسادهنّ، ولن يغيّر ذلك من حقيقة أن معظم الرجال سيظلّون ينجذبون طوال حياتهم للنساء الأكثر أنوثة. لا يوجد فكرة تجريدية يمكنها أن تلغي حقيقة بيولوجية حتى ولو كُتبت آلاف التويتات حول الموضوع. وهنا يكمن الخلط العظيم الذي تعاني منه بعض النسويات، فهنّ يعتقدن أن تغيير فكرة ما (كتغيير نظرتنا للشعر على جسد النساء) هو أمر كفيل بتغيير الواقع نفسه (كانجذاب الرجال للنساء الأكثر أنوثة). لا أعلم لماذا تعتبر بعض النسويات أن بحث الرجال عن الجمال والأنوثة لدى النساء هو أمر يدعو للخجل أو يبعث على العار، كل المخلوقات الحية تبحث عن الشريك الذي يناسبها، ولا يجب على الرجال أن يعتذروا بعد اليوم عن كونهم يتوقّعون حداّ أدنى من الأنوثة من النساء، هل أصبحت هذه الفكرة غريبة لدرجة أننا نحتاج لنكتب عنها؟

انجذاب الأنوثة للذكورة والذكورة للأنوثة هو أمر من طبيعة الحياة ومن طبيعة الوجود، ومحاولة القضاء على الأنوثة والقضاء على الذكورة وخلق جنس ثالث لا هو ذكر ولا هو أنثى هو أمر لن يؤدي سوى إلى إحباطات وخيبات أمل هائلة للرجال والنساء على السواء. الرجال والنساء مختلفون، واختلافهم هذا ليس أمراً سيئاً بل شيئاً ضرورياً لتحقيق التوازن في حيواتنا الشخصية وفي هذا العالم. لكن هذه الفكرة هي موضوع لتدوينة أخرى.

5 comments

  1. Abeer Khshiboon · يناير 10

    إيش هادا العنوان الذكوري؟ والنساء بيبحثوش عن الجمال يعني؟ D:

    المقالة فعلا محزنة وبتسلّط الضّوء على وضع ثوراتنا المحزن. وبتوقّع النسويّات اللي عم بيقاتلوا بالشبكات الاجتماعيّة عشان شعر الجسم وقعدة الرجل بوسائل النقل العامّة، رح تزعجهن كتير مقالتهن لأسباب إضافيّة، منها مقارنة سلوكيّات الذكر والأنثى عند الحيوان وتشبيهها بالسلوكيّات اللي (ويا لطيف) بعدها موجودة عند الإنسان.
    التيار النسوي السائد اللي خلّاني أفشل أنضمّ لأيّ إطار نسوي بالواقع، هوّي إطار أعوج مشتقّ عن المنظومة البطريركيّة العوجاء نفسها اللي النسويّات عم بيدّعوا إنهن عم بيحاربوها. بينفعش تكوني نسويّة حقيقيّة وتحتقري قوانين الطّبيعة، لإنه هيك بتكوني عم بتمارسي نفس نوع القمع اللي بتمارسه منظومتنا البطريركيّة اللي متربّعة على عرش إسمو “حضارة”، وبتنظر للطبيعة بالضبط متل ما بتنظر لجسد المرأة ،على إنهن بمرتبة أدنى، وبناءً على ذلك، بيتمّ استغلال الطّبيعة والمرأة على حدّ سواء بعالمنا.
    التيّار النسوي السائد بدل ما يرجع يوحّدنا مع جذورنا وطبيعتنا ويرجّع قيمة الأرض وقيمة جسد المرأة لمكانتهن المزبوطة، عم بيتطلّع ع راس الهرم البطريركي اللي تحته مستعبدين إحنا كلّياتنا: الرجل والمرأة والحيوان والنبات والكوكب بجميع موارده.

    • Adon · يناير 10

      تماماً عبير، هيدا تماماً اللي عم حاول احكيه بالمقال.
      وبالنسبة للعنوان، أكيد النساء بتبحث عن الجمال كمان بس ما بتطلع بالعنوان معي لأن بصير متهم انو عم بحكي باسم النساء واني عم حددلهن شو بدهن.

  2. ahmedmeklad · يناير 10

    عزيزي طونى ،،،
    المشكلة حقيقتاً تكمن فى الإستخدام الأسوء للمعرفة، فدائماً أفكر أن كل قفزة معرفية تشهدها الأمم لابد وأن يكون لها أثار جانبية، فشدة التحضر قد تجعلنا نناقش موضوعات تافهة بشكل ضخم لمجرد أنها تتعلق بالحريات، ومع أنها فعلاً من الحريات الشخصية إلا أن سؤال بسيط قادر على هدم ضخامتها وهو “ما الداعي لفتح نقاش مجتمعي عنها الأن” .

    أتذكر أنه منذ يومان خرج علينا أحد مشايخ الأزهر فى الإعلام المصري متحدثاً عن أنه لا يوجد في الإسلام سواء فى القرأن أو السنة ما يحرم الخمر، وسواء إتفقنا أو إختلفنا مع هذا الرأى، فما الداعي لفتح نقاش مجتمعي حوله فى مصر، المصريين ليسوا من الشعوب التي تحب الخمر بأى حال من الأحوال، ربما يدخنون الحشيش، لكن الخمر ليس مهما لهم .

    وفى النهاية أود أن أقول لك عزيزي طوني “النور لا يدخل عقول الضعفاء، بل يدخل عقول المناضلين، حتى لو كان هذا النضال لأجل لقمة عيش يطعمها الإنسان لأبنائه”

    تحياتي لك من أرض الخوف “مصر” ،،،

  3. blue · يناير 27

    بدايةً أسلوبك -رشيق- إن صج التعبير ، خفة تأخذك سريعا من السطر الأول للأخير دون أن تشعر أنك كنت تقرأ ،،

    الموضوع يمسني لهذا فكرت أن أعلق ،، اتفق في أن النسوية في كثير من قضاياها تستخف بأوجاع المرأة الحقيقية لكني لا اتفق أن دعوة من قبيل “إطالة الشعر ” تافهة ،،
    قد يقول بهذا رجل لكن الأنثى التي تبحث عن محيط يقبل طبيعتها كإنسان ينبت له الشعر لن تجدها قضية سطحية ،،
    بسبب الصورة التي يرسمها العالم والثقافة اليوم للأنثى والتي تفترض أنها كائن أملس أنيق طيلة الوقت تدفع المرأة مالها وتضيع وقتها وجهدها محاولة مطابقة تلك الصورة وإن هي تمردت واختارت طبيعتها وصفت بالقبح أو القذارة وهرب منها الرجال ،، وصفك بأن “الرجل يميل لماهو أنثوي وبالتالي يميل للمرأة القليلة الشعر غير منصف .. ” مرت عصور كان الرجل فيها يفتش عن المرأة ذات الشعر وماكان للشعر كل هذا الهم والجهد المبذول من نساء اليوم لمحاربته ، المرأة قديما كانت تعتبر جميلة لقربها من الطبيعة لا من المستحضرات والعمليات والليزر والنتف والشد والحلق ،، منطقي جدا أن تحلم النسويات بقبول الرجال لأجسادهن كما هي أو ع الأقل كما يقبلن هن أجساد الذكور دون أي رتوش ،، عذرا للإطالة هذا التفصيل استفزني فعلقت عليه .

    تحيتي

    • Adon · يناير 28

      مرحبا بلو،
      متفقين تماماً أن معايير الجمال تختلف من زمن لآخر واتفق معك أن معايير الجمال السائدة حالياً غير منطقية للرجال والنساء على السواء، لكن مشكلتي الأخرى مع الطرح النسوي بالموضوع هو الاعتقاد أن الرجال هم الذين يفرضون هذه المعايير على النساء وهو برأيي المتواضع مش دقيق لأن معظم الرجال لا يكترثون للقليل من الشعر ولا يحبون الماكياج، ويفضلون الجسد الممتلىء على الجسد النحيف. المعايير غير العادلة تنشأ اجمالاً من الشركات اللي بتربح من المنتجات اللي بتستخدمها النساء، واعتقد أن النقاش يجب أن يتوجه لهذه المسألة لا أن يتم وضعه بإطار الرجال ضد النساء.

      سلامي

التعليقات مغلقة.