الاقتصاد الرأسمالي يحكمه المرضى النفسيّون

لو كان هناك عقلانية في الحضارة الحالية لما كانت لتمشي نحو الهاوية بإرادتها كما تفعل اليوم.

لو كان هناك عقلانية في الحضارة الحالية لما كانت لتمشي نحو الهاوية بإرادتها كما تفعل اليوم.

في أحد الأيام خلال عملي السابق توجهت إلى مكتب أحد الزملاء الأردنيين لأهنئه بمولوده الجديد، وما أن لمحته حتى لاحظت أن وجهه شاحب من دون لون ويكاد لا يوجد فيه أي تعبير يشير للحياة. لم أسأله بعد عمّا ألمّ به حتى فسّر لي زميل آخر أنه طُرد للتو من الوظيفة. كان الزميل المذكور لا يزال عائداً من إجازة خصّصها لاستقبال طفله الأوّل ولم يتوقّع على الإطلاق خسارة عمله لأنه لا يوجد سبب يدعو لذلك، لكن يبدو أن مدير الشركة الذي يبحث دائماً عن أساليب جديدة لزيادة الأرباح قرّر أن ذلك هو الوقت المثالي لحرمان هذا الزميل من المدخول. حين رأيت مدير الشركة بعد الظهر، وجدته يمزح مع الموظفين ويضحك كأن شيئاً لم يحصل، وتساءلت في نفسي ما إذا يستطيع النوم براحة ليلاً وهو يعلم أنه حرم اليوم عائلة بأكملها من المدخول ومن الإقامة القانونية في البلد الذي نتواجد فيه، مع كل ما يعنيه ذلك من صعوبات وآلام.

كنت ساذجاً في تساؤلي هذا طبعاً، لأن المدير سينام مرتاحاً جداً، بل سيغفو بسرعة أكبر من معظم الموظفين لديه، وعلى الأرجح لن يتذكر ما حصل مع هذا الزميل إطلاقاً بعد بضعة أشهر عندما يتلقى مكافأة كبيرة على “حسن إدارته” من الإدارة العالمية للشركة – وهو الأمر الذي حصل فعلاً. فهذا المدير، كما معظم نظرائه من مدراء الشركات الكبرى اليوم، هم شخصيات معتلّة نفسياً (سيكوباتية أي تفتقد للقدرة على التعاطف مع الغير أو فهم الآخرين وتتميّز بالأنانية الشديدة ولا مانع لديها من تدمير أي شخص لتحقيق أهدافها الخاصة من دون أي شعور بالذنب أو أي اعتراف بالخطأ. هنالك في الواقع العديد من الأبحاث العلمية حول الاعتلال النفسي أظهرت أن المناصب الإدارية العليا في عالم اليوم تضم أعلى نسبة من المرضى النفسيين الذين يعانون من السيكوباتية[1] (تحلّ مهنة المحاماة في المركز الثاني في أعلى نسبة معتّلين نفسياً والإعلام المرئي يحتل المركز الثالث).

هذا الإحصاء ليس مفاجأة على الإطلاق، فنجاح أي شركة اليوم يستوجب التعامل مع الناس كأرقام على شاشة؛ أرقام يمكن شطبها أو إضافتها وفقاً لحسابات رياضية لا مكان فيها للاعتبارات الإنسانية. إن كانت حسابات المدير تقول أنه يجب رفع نسبة أرباح الشركة 1 % وأن ذلك يستوجب شطب راتب موظف ما فيها، فهذا ما سيقوم به من دون تردّد، حتى ولو كان هذا الموظف معيلاً لخمسة أطفال.

في إحدى الشركات التي عملت فيها سابقاً، تم طرد موظفة ما أن أخبرتهم أنها تعاني من السرطان. طردتها الشركة في نفس الأسبوع لكي تتجنب دفع تكاليف العناية الصحية وصرف راتب لموظف ستنخفض انتاجيته وسيغيب بشكل متكرّر عن عمله بسبب العلاج والمرض. إلى هذا الحد الشركات مستعدة للحفاظ على أرباحها، على حساب حياة موظفيها، حرفياً.

طبعاً هذا لا يعني أن كل مدير عام اليوم يعاني من مشكلة نفسيّة، ولا يعني أن كل شركة ناجحة يحكمها مرضى نفسيّون، وعلى الصعيد الشخصي أنا محظوظ حالياً بكوني أعمل في مكان يحترم ويقدّر موظفيه، لكن تجربتي في وظائفي السابقة ومراقبتي للشركات الناجحة عموماً تظهر أنه كلما أصبحت الشركة أكبر وأكثر نجاحاً كلما كانت إدارتها أكثر شراسة وبرودة تجاه موظفيها.

إلى ذلك، حتى ولو حافظ المدراء على إنسانيتهم في ظلّ نموّ شركتهم وأعمالهم، من الواضح أن البنية الاقتصادية والمالية تشجّع المرضى النفسيين على استلام دفّة الأمور وتعطيهم موقعاً تنافسياً أفضل من نظرائهم لأنهم يستطيعون أن يدفعوا لموظفيهم رواتب أقل وأن يجبروهم على العمل لدوامات أطول، وأن يطردوهم في أية لحظة من دون عواقب على الشركة ومن دون أي وخزة ضمير، وكل ذلك يترجم على أرض الواقع بأرباح أكبر للشركة. غياب النقابات والقوى العمّالية المنظّمة التي تستطيع كبح جماح الشركات هو بالتأكيد عامل رئيسي في الواقع الذي وصلنا إليه لكن ذلك موضوع آخر يستوجب مقال بأكمله لنقاشه.

في جميع الأحوال، هذا الواقع يطرح تساؤلات جدّية عمّا إذا كان من المنطقي لأي شخص اليوم أن يحاول النجاح والاندماج في اقتصاد ومجتمع يحكمه المرضى النفسيّون من شماله إلى جنوبه. بعض هؤلاء المرضى يعتقدون أنهم خلفاء وأمراء ويقتلون حتى أمهاتهم من دون رحمة، فيما مرضى آخرون لا يرون من الحياة سوى المال وهم مهووسون بتكديسها على حساب آلاف الناس الذين تكاد تنكسر ظهورهم يومياً في أعمالهم الكادحة.

لذلك، إن كنت يا عزيزي القارئ تشعر بأن النجاح في مجتمعنا الحالي يستوجب منك تغيير نفسك للأسوأ، وأنك تعاني من صعوبة في التكيّف مع ما يحاول أن يُفرض علينا كلّ يوم، لا تشعر بالأسف على نفسك، فكما يقول الفيلسوف الهندي جيدّو كريشنامورتي “التكيف مع مجتمع مريض بشدّة ليس مقياساً للعافية”.

[1] Dutton K The Wisdom of Psychopaths: What Saints, Spies, and Serial Killers Can Teach Us About Success (2012).

 

2 comments

  1. Hummingbird · يناير 17

    كنت أعمل في “مزرعة” إعلامية لا توظف إلا كل من ليس لديه خبره في عمله خصوصا الخريجين الجدد، كان مدير المزرعة يخبرهم بأنهم إن أثبتوا أنفسهم سيكون لهم شأن، ولكن أصحاب الشأن كانوا من أبدوا استعدادا لفعل أي شىء لنيل رضا المدير الذي كان يحافظ على أمثال هؤلاء ويطرد غيرهم. أما من يتجرأ ويطالب بحقوقه فإما يُجمد في مكانه إلى أن ينكسر ويؤدي فروض الطاعة أو يطرد، أو أن يحافظ على كرامته وعقله ويستقيل، وهو ما فعلته. هذا المدير لم يكن عنده ذرة منطق في كيفية تسيير الأمور، يحب أحدهم البوم ويكرهه غدا، يوظف مدراء دون موظفين، يحتفي بمعدومي الموهبة، يصرف إمرأة أخذت إجازة أمومة من عملها، قد يدفع آلآف الدولارات لحضور حفلة أو حجز طاولة في احتفال ما، ليس لمؤسسته من الإحتفال أي تكريم أو ذكر، أو يدفع الكثير لحملة دعائية، ولكنه يتذرع بضعف الموارد المالية للمؤسسة عندما يتعلق الموضوع بزيادة راتب موظف مجتهد عمل سنوات عنده، ويطالب بمعرفة ظروف الموظف ليعرف لماذا يريد الزيادة أو المكافأة وكأنه يدفع زكاة، والويل لمن يخبره بظروف انسانية لأنها ستكون المدخل للضغط على هذا الموظف. وما قلته نذر يسير عن تلك الشخصية المريضة .

    • Adon · يناير 17

      عفكرة هالشخصية بتشبه عدّة ناس عندهم دكاكين اعلامية ببيروت ، مش معقول قديش القصص متشابهة لدرجة انو الواحد بيفكرها عن شخص واحد، بس بتطلع بالآخر عن أشخاص كتار

التعليقات مغلقة.