لماذا أحب موسيقى الميتال وأكره الجاز

حسناً أعلم أن محبّي الجاز يكرهون هذه التدوينة من العنوان – ومنهم أعزّ صديقان لي تشكّل الجاز موسيقاهما المفضّلة – وأعلم أن البعض سيعتبرني شخصاً جاهلاً أو أقل ثقافة بمجرّد تفضيلي لأي نوع موسيقي آخر على الجاز الذي يعتبره محبّوه قمّة الرقي والأناقة الموسيقية. يزيد الطين بلّة أن الموسيقى المفضّلة لي هي الميتال الذي يعتبره معظم الناس ضجيجاً مزعجاً وحاداً ولا يمكنهم أن يسمعوه لأكثر من عشر ثوانٍ.
لا بدّ من أن أشير أولاً إلى أنني استمع لبعض الجاز الجيد من وقت لآخر ولبعض الأنواع الموسيقية التي تتداخل معه، وهذه التدوينة ليست لإقناع أحد بأفضلية نوع موسيقي على آخر لأن الموسيقى ذوق شخصي صرف. ما يلي هو مجرد محاولة لتفسير ميلي الطبيعي لتجنّب الجاز كلّما ظهر أمامي – وتجنّب الذين يستمعون للجاز أيضاً.

لماذا لا أحب الجاز؟

 rock on

الجاز لا يخاطبني

السبب الأوّل هو أن هذه الموسيقى بكل بساطة لا تخاطبني، ليس لأنها سيئة لكنها لا تناسب ذوقي الشخصي؛ ربّما لأنها بطيئة جداً بالنسبة لي، أو لأني أشعر أنها تبالغ كثيراً في عاطفيتها ورومنسيّتها ما يجعلها ناعمة جداً بالنسبة لي. هذا لا يعني أنني لا أحب الموسيقى العاطفية والهادئة، بل العكس تماماً، لكنّي أحبها بغير الجاز، وخاصة أن الصفات الفريدة التي تميّز الجاز تغيظني حين أسمعها؛ مثل الارتجال الموسيقي الشهير والذي غالباً ما يجعل الموسيقى أسوأ في رأيي، والإيقاع المتعدّد (polyrythm) الذي يتمثّل بعزف إيقاعين متعارضين أو أكثر في الوقت نفسه والذي تتم المبالغة به في الجاز لكي تبدو الموسيقى أكثر تعقيداً مما يجب أن تكون عليه. أضف إلى ذلك أنني لا أحبّ أبداً صوت الساكسوفون، وهو من الآلات الرئيسية في الجاز.

لذلك حين استمع للجاز غالباً ما أرى نفسي أمام نوعين رئيسيين من الموسيقى؛ الجاز الفوضوي الارتجالي الذي يزعج آذاني، والجاز العاطفي الرومنسي البطيء الذي أشعر أنه لا يخاطب من الرجال سوى أولئك الحسّاسّين والذين يحبّون المبالغة في الشاعرية، بالإضافة إلى الرجال الذين يحبّون الإدّعاء. وسأناقش النوع الأخير في السطور التالية لأنه يشكّل السبب الثاني لكرهي للجاز.

المدّعون يملئون صالات الجاز… وتويتر

كل نوع موسيقي قوي يجذب أنماطاً محدّدة من الناس والجاز ليس استثناءً. على ما يبدو يجذب الجاز ثلاث أنواع من الأشخاص؛ الموسيقيين والعاملين في المجال الموسيقي، المسنّين في المجتمعات السوداء في الولايات المتحدة الذين ولدوا في زمن شكّل فيه الجاز جزءاً من هويتهم الثقافية، والنوع الثالث هو المدّعين والمثقفين الناعمين من أبناء الطبقات العليا. في العالم العربي، تشكّل الفئة الثالثة الغالبية العظمى من محبّي الجاز.

يبدو أنه هنالك موضة تأتي وتذهب كل بضعة سنوات في أوساط بعض الشباب الذكور بشكل خاص، وهي الادّعاء أنهم يحبّون الجاز لكي يظهروا كأنهم شخصيات راقية ورفيعة الثقافة مقارنة مع بقية الرجال الجاهلين الذين لا يستمعون سوى للموسيقى الهابطة والفجّة التي يستمع لها الجميع. هذه الفوقية التي يتعاطى بها محبّي الجاز مع بقية الناس ومع محبّي الأنواع الموسيقية الأخرى هي سخيفة ومزعجة. غالباً ما صادفت محبّي الجاز في النقاشات حول الموسيقى يتعاطون مع الآخرين كأنهم أشخاص أرقى وأعلى مرتبة لمجرّد أنهم يستعمون للجاز. صحيح أن محبّي كل نوع موسيقي يدافعون عن موسيقاهم، لكني نادراً ما رأيت نفس المستوى من الفوقية لدى محبّي الأنواع الموسيقية الأخرى.

إلى ذلك، نادراً ما يأتي ادّعاء حبّ الجاز كصفة منفردة لدى هؤلاء الأشخاص، إذ تصحبه عادة مجموعة من الأكسسوارات الأخرى، منها قبعة مضحكة نادراً ما يخلعها هذا الشخص عن رأسه، شال يرافق القبعة حتى في عزّ الصيف، طريقة في الحديث واللباس تناسب أفلام الخمسينات، وحساب شخصي نشيط جداً على تمبلر، تويتر أو فايسبوك، يدّعي الشخص من خلاله أنه فنّان أو كاتب من دون أن يقدّم أي نتاج حقيقي يذكر. من الضروري أيضاً مشاركة بعض أغاني الجاز من وقت لآخر على فايسبوك أو تويتر لكي يظهر هذا الرجل للنساء كم هو حسّاس وراقي، ولكي يظهر للرجال الآخرين كم هم دونه مستوى على سلّم التطوّر.

الجاز ليس قبائلياً كفاية بالنسبة لي

اعترف بأن جذوري القروية وميولي القبائليّة قويّة في هذا المقال وهي حاضرة جداً في ذوقي الموسيقي؛ إذ لا يزال رأيي في الجاز متأثر بانطباعي عنه في أوّل احتكاك لي مع أبناء المدن: موسيقى باردة و”ثقافية” يستمع إليها الشباب الناعمين من أبناء الطبقات الميسورة في بيروت لكي يميّزوا أنفسهم عن الطبقات الدنيا وعن أبناء الريف.

هذا الانطباع لا يزال سارياً اليوم لأن من يستمعون للجاز لا يزالون أبناء الطبقات الوسطى والعليا من سكّان المدن الكبرى، الذين يسمح لهم مدخولهم وظروفهم الاجتماعية بالاطلاع على هذا النوع الموسيقي وحضور حفلاته التي لا تقام سوى في الأماكن الراقية، وليسوا عادة من أبناء الضواحي والقرى والعمّال والفقراء الذين لا تخاطبهم هذه الموسيقى.

إلى ذلك، قد يكون من المفاجئ لبعض القرّاء أن أصف الجاز بالبارد بعدما قلت عنه أنه يبالغ بالشاعرية، والحقيقة هي أنه رغم شاعريته فهو موسيقى يتم الاستماع إليها وقوفاً أو جلوساً معظم الوقت، نادراً ما يخلق حرارة كافية تدعوا الناس للرقص ونسيان أنفسهم في نشوة الموسيقى. الأمر هو العكس تماماً مثلاً مع معظم أنواع الموسيقى الأخرى (باستثناء الكلاسيكية) وأخص منها بالذكر الدبكة والراب والميتال التي تحصل أن تكون أنواعي الموسيقية المفضّلة (نعم أعلم أن هذا يجعلني شخصاً بدائياً بنظر الكثيرين).

من المثير للاهتمام أن الدبكة والراب والميتال، وهي ثلاث أنواع موسيقية مختلفة جذرياً عن بعضها البعض، تتشابه بشدّة في إيقاعها وتأثيرها وفي طبيعتها الجماعيّة والقبائلية – فهي تدعو الناس للقفز معاً، للتشابك معاً والصراخ معاً وإطلاق كل مكنوناتهم الداخلية مع الموسيقى. من الخارج قد تبدو حلقة التدافع Mosh Pit في موسيقى الميتال مختلفة عن الدبكة، ومختلفة عن حماس الراب، لكنها كلها في الحقيقة الأمر نفسه: رقصة قبائلية جماعيّة تعبّر عن سيل هائل من المشاعر – مشاعر الحماس والحبّ والفرح ومشاعر الألم والعدائية والغضب أيضاً، وهذا ما يأخذني إلى سبب آخر يدفعني للارتباط عاطفياً أكثر مع هذه الأنواع الموسيقية وهي أنها حقيقية جداً وتتضمّن كافة المشاعر الإنسانية ولا تقتصر على وجه واحد وردي، عاطفي، رومنسي، وثقافي، كما في حالة الجاز.

موسيقى الراب والميتال خصوصاً تأتي من الظلال ومن الأماكن المظلمة والمنسيّة، وهي تأخذ هذه القساوة وهذا الصراع وتخلق منه روح قتالية جميلة جداً. إنها موسيقى وَجْدية فيها الكثير من العشق والغضب في الوقت نفسه، موسيقى قتالية، قبائلية، طقوسيّة، صراعيّة، جنائزية أحياناً، تتعاطى مع الحياة ومع الموت بكلّ ما فيهما من أمور جميلة وقبيحة على السواء.

ولهذا السبب، الدبكة والراب والميتال تخاطب أولئك الناس الذي يأتون من الظلال والقعر وتتحدث عن فرحهم وحزنهم وأحلامهم وهمومهم، فيما لا يستطيع الجاز القيام بذلك إلا نادراً. الدبكة تخرج من أرض الفلاحّين ويوميات الرعيان ومن القرية وبريتها وسهولها وجبالها وقطعانها وهدوئها وقصص حبّها البريئة ومن حماسة رجال المشرق لجعل الأرض تهتزّ تحت أقدامهم فرحاً ونشوة؛ وموسيقى الراب تخرج من صراعات الفقراء في الضواحي ومخيمات اللجوء ومن أحلامهم المكسورة ومن غضبهم وآلامهم ومعاناتهم مع الحصول على أدنى مقوّمات إنسانيتهم؛ وموسيقى الميتال تأتي من أعمق أسئلتنا الوجودية ومن تمرّد جيل بأكمله على مجتمع ميت وبارد ومصطنع لا يريد منّا سوى الانصياع للسلطات التي تقتلنا وتقمعنا فيما لا يقدّم لنا بالمقابل سوى البطالة والفقر والغربة والوحدة. أحبّ موسيقاي أن تكون حيّة. أن تكون متمرّدة. ولكل هذه الأسباب اتجنّب الجاز وأحبّ الميتال.

4 comments

  1. أماني · يناير 31

    شو السيء انو الشبّ يكون ناعم؟ وليش دائما عم تربط هيدي الصفة بالطبقة الميسورة؟

    • Adon · فبراير 3

      كل واحد حرّ يكون النمط اللي بدّو ياه، وكل واحد حرّ ما يحبّش هاد النمط.
      اما ليش بربطها بالطبقة الميسورة فهي لأن نوعية التربية بهالطبقات بتنتج رجال ناعمين أكتر بكتير من الطبقات الفقيرة، كم مرّة شفتي رجل ناعم بالضواحي أو بالأرياف مقارنة مع المدن والأغنياء؟

  2. تنبيه: الروك والميتال عشق أبدي! – مش عادي
  3. تنبيه: عن الموسيقى وفلسفة الروك! – مش عادي

التعليقات مغلقة.