هل يجب إلغاء الرجال؟

من غلاف مجلة أتلنتيك لمقال بعنوان "نهاية الرجال".

من غلاف مجلة أتلنتيك لمقال بعنوان “نهاية الرجال”.

كنا نتحدث البارحة عن موضة إطالة الذقن لدى الشباب حين قالت لي صديقتي أنها تستغرب إصرار الرجال على إطالة ذقونهم هذه الأيام “كأنهم يريدون إثبات رجولتهم عن بعد كيلومتر”، بحدّ تعبيرها.

هذه الملاحظة البسيطة هي صائبة لدرجة كبيرة وتكشف في الواقع عن قضية مهمّة نادراً ما يناقشها أحد: الرجال يعيشون أزمة في الوقت الراهن، ورجولتهم كمفهوم وممارسة هي حالياً رجولة مأزومة أيضاً. إطالة الذقن هي إحدى تلك الأمور التي يبدو أن الرجال يحاولون من خلالها إعادة تأكيد رجولتهم في مجتمع يرفضها بشكل متزايد ويحمّلها مسؤولية كافة الآفات الاجتماعية ويحاول باستمرار تدجينها وتسطيحها لتصبح مجرّد شكل خارجي خالي من المضمون. المبالغة في الإصرار على الرجولة هي ردّة فعل على الرفض المستجدّ للرجولة، وعلى انهيار العقد الاجتماعي بين الرجال والنساء ونهاية أدوارهم التقليدية نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت خلال العقود الأخيرة.

لا أحد يناقش هذه القضايا بشكل حقيقي، وإن كان هنالك من نقاش فغالباً ما يكون جدلاً عبثياً بين الرجعيين (الدينيين غالباً) والتيار النسوي، اللذان رغم اختلافهما الأيدولوجي يشتركان برؤيتهما للرجولة كطغيان مطلق.

*

هل الرجولة آفة؟

للأسف، يتبنى التيار التحرّري والنسوي بشكل متزايد خطاباً أيدولوجياً متصلّباً يتمحور بشكل متزايد حول الرفض التام للرجولة. هذا الأمر دفعنا إلى العدول عن معالجة قضايا الرجال عدّة مرّات في الماضي، لأن التيارات التغييرية والتيار النسوي خصوصاً جعل من الحديث عن هذه الأمور أشبه بالمشي في حقل من الألغام المزروع بالاتهامات والأحكام المسبقة وسوء الفهم.

اعتبار الرجولة مصدراً لكل أزمة الحضارة وللعنف والظلم هو أمر رائج اليوم في صفوف التيارات النسوية واليسار، حيث نرى كل يوم دعوة للرجال للتخلّي عن رجولتهم أو تغييرها “لتتناسب مع العصر”. هنالك عدد متزايد من النسويات يعتبرن الرجولة والذكورة مجرّد آفة يجب القضاء عليها كلياً، وغالباً ما يستخدمن اسم “الرجولة السامّة” Toxic Masculinity أو ما شابه من التعابير لوصف كل ما هو متعلق بالرجال ودورهم الاجتماعي.

منذ بضعة أعوام كتبت عن الصورة الكاريكاتورية حول الرجال والكراهية الزائدة الموجهة لهم في بعض النتاجات الفنية والثقافية، وكنت أخشى وقتها أن يتحوّل ذلك إلى الخطاب السائد في اليسار والحركات الليبرالية والنسوية، وهو ما حصل للأسف لدرجة كبيرة خلال السنوات الأربعة التي انقضت منذ نشر المقال. اليوم لا يمكن تصفّح أي موقع يساري ونسوي – أو حتى غير يساري وغير نسوي – إلا ونرى مقالاً يشتم الرجولة ويدعو لترويض الرجال كأنهم حيوانات طليقة. آخر هذه الدعوات مقال تم تناقله مؤخراً على تويتر بعنوان “الرجولة التقليدية تؤذي الجميع: يجب تحرير الرجال من عبئها” (بالإنكليزية)، لأنطوني كعدي، وهو اخصائي علم النفس في مؤسسة أبعاد في بيروت.

في الماضي، كنت أيضاً أميل للاعتقاد أن الرجولة والذكورة هي من مصادر المشكلة قبل أن أدرك أكثر أن المشاكل التي تُنسب عادة للرجولة مصدرها منظومة سياسية-اقتصادية-ثقافية معادية للحياة لا تقيم وزناً كبيراً لمفاهيمنا عن الرجولة والأنوثة ولا تكترث كثيراً ما إذا كان رئيس الدولة وقائد الميليشيا ومدير الشركة أو العامل رجلاً أم امرأة طالما أنه يؤدّي دوره المنوط به في السيستيم من دون اعتراض. اعتبار الرجولة سبباً لهذه الأزمات هو بطريقة أو بأخرى تغطية عن المصدر الحقيقي للمشكلة.

إن عدنا إلى المقال الذي ذكرناه آنفاً للسيد كعدي، نرى أنه يلخّص بشكل كامل هذا الطرح النسوي، فهو يقول:

“هنالك أجيال من الرجال تعلّمت الأمر نفسه: كن رجلاً، رجلاً قوياً. امتنع عن اظهار عواطفك. خض الحروب، وقاتل أي شخص يتحدّى رجولتك”.

هنالك خلط بين عدّة أمور في هذه الجملة سنناقشها بعد قليل، لكن من الواضح أن المشكلة الأولى للنسوية والمجتمع “العصري” مع الرجولة هي أنها تدعو الرجال ليكونوا أقوياء.

غلاف كتاب "نهاية الرجال وصعود النساء" للناشطة النسوية حنا روسين، وتحتفل بالكتاب بالصعود الاقتصادي والاجتماعي للنساء في البلدان الغربية على حساب الرجال وترى بأن الرجال لن يتكيفوا بشكل جيد مع اقتصاد يرتكز بشكل أساسي على العلاقات العامة والانترنت.

غلاف كتاب “نهاية الرجال وصعود النساء” للناشطة النسوية حنا روسين، وتحتفل بالكتاب بالصعود الاقتصادي والاجتماعي للنساء في البلدان الغربية على حساب الرجال وترى بأن الرجال لن يتكيفوا بشكل جيد مع مجتمع يرفض القوّة واقتصاد يرتكز بشكل أساسي على العلاقات العامة والأعمال الرقمية والفكرية.

*

لماذا يجب أن تكون رجلاً قوياً

“كن رجلاً، رجلاً قويا”، يفتتح السيد كعدي مقالته بهذه الكلمات كأنها أمراً سيئاً ولا أرى أبداً ما المشكلة هنا، هل يجب أن نقول للرجال ألا يكونوا رجالاً وأن يكونوا ضعفاء؟ لماذا نهنّئ أنفسنا حين نقول للنساء “كوني امرأة قوية”، ونرفض قول الأمر نفسه للرجال؟ دعوة الرجال للتخلّي عن قوّتهم هو أغرب أمر يمكن لأي شخص أن يقوله؛ رغم ذلك، يبدو أن رفض القوّة النابعة من الرجولة يشكّل العامود الفقري للنسوية اليوم.

امتنع عن اظهار عواطفك” هي الجملة الثانية التي يقولها السيّد كعدي في مقاله، وهي تعبّر عن إحدى الأفكار الكاريكاتورية التي تعتقد النسوية أنها تشكّل جزءاً من الرجولة ومن تنشئة الرجال. الحقيقة هي أن الرجال يتعلّمون الامتناع عن إظهار ضعفهم، لا عواطفهم، وهو الأمر المنطقي لجنس هو تاريخياً الجنس الصيّاد والمقاتل والحامي لعائلته الذي كان يتعرّض تاريخياً لمخاطر يومية، وهو الأمر المنطقي أيضاً في واقع نعلم جيداً كيف يمكن أن يستغّل فيه ضعفنا ضدّنا.

إلى ذلك، الواقع يقول أن الرجال العصريين يعبّرون عن عواطفهم لدرجة أنه هنالك عدد هائل من نساء اليوم يتذمّرون من مبالغة الرجال بالعواطف وبالتعبير عن العواطف. أضف إلى ذلك أن الرجّال يعبّرون عن عواطفهم بطريقة مختلفة عن النساء، يعبّرون عن عواطفهم بأفعالهم أكثر منها بأقوالهم: الرجل الذي يعمل ليل نهار لتأمين حياة كريمة لعائلته هو رجل يتّقد بالحب ويعبّر عن حبّه لهم بهذه الطريقة.

معظم شعراء الحب كذلك، ومعظم مؤلفي روايات العشق ومعظم من كتب مسرحيات وأفلام وأغاني عن الحب والألم وكل العواطف الإنسانية هم تاريخياً وحالياً من الرجال، ورغم ذلك نقول أن الرجال هم الجنس الذي لا يعبّر عن عواطفه!

حين ننظر إلى الثقافة السائدة أيضاً، يمكن أن نلاحظ بسهولة أنها تدعو الرجال للتعبير عن عواطفهم لا العكس، فكلما شاهدنا فيلماً أو سمعنا أغنية أو قرأنا رواية حتى رأيناها مليئة بالرجال الذين يبالغون في التعبير عن عواطفهم المشتعلة والذين يظهرون بأن التعبير عن العواطف هو أسمى ما يمكن للرجل أن يقوم به . حتى أن الكثير من النساء باتت تتوقع من كل رجل أن يكون شاعراً رومنسياً وأن تكون كل خطوة في علاقتهما أشبه بمشهد من فيلم.

ماذا نريد من الرجال بعد؟ هل يجب على الرجال أن ينهاروا بالدموع وأن يرسموا قلوباً على دفاترهم ويرسلوا قبلات في الهواء كل ثلاث دقائق لكي نعتبر أنهم يعبّرون عن مشاعرهم؟

بالعودة إلى بداية هذه الفقرة لا بدّ من أقول مجدداً أن رأيي الشخصي هو أنه من الأفضل علينا كرجال أن نتجنّب إظهار ضعفنا وخصوصاً أمام الغرباء والنساء، لأن الحياة التي كانت تطلب منا في الماضي أن نصطاد أكبر الحيوانات المفترسة لنطعم عائلاتنا لا تزال نفسها ولا تزال تريد منّا أن نكون أقوياء من أجل الأشخاص الذين يعتمدون علينا وهي غير متسامحة أبداً تجاه الرجال الضعفاء، لا في عملهم ولا في دراستهم ولا داخل عائلاتهم ولا في واقعهم اليومي.

باستثناء الأمهات مع أطفالهم، النساء عامة هم الأقل تسامحاً تجاه ضعف الرجال، ولو كنّ يقلن لنا يومياً أنه علينا أن نظهر ضعفنا أمامهنّ، هنّ الأكثر نفوراً وتشوشاً حين يظهر ضعفنا ولا يعرفن التعامل معه سوى بالقلق حول أنفسهنّ لأنهنّ ارتبطن برجل باتوا يرونه ضعيفاً.

مثال عن أدب "الرجولة السامة" في تدوينات للنسوية الشهيرة أنيتا ساركسيان تقول فيها: "علينا أن نعالج بشدّة الصلات بين العنف، التمييز الجنسي، والأفكار السامة للرجولة قبل أن يرتكب المزيد من الصبيان والرجال المزيد من جرائم القتل الجماعي".

مثال عن أدب “الرجولة السامة” في تدوينات للنسوية الشهيرة أنيتا ساركسيان تقول فيها:
“علينا أن نعالج بشدّة الصلات بين العنف، التمييز الجنسي، والأفكار السامة للرجولة قبل أن يرتكب المزيد من الصبيان والرجال المزيد من جرائم القتل الجماعي”.

*

هل الرجال هم مصدر الحروب؟

يقول كعدي في جملته التي اقتبسناها “خض الحروب“، كتعبير عمّا يعتقد أنه جزء من الرجولة، فالنسوية تعتقد أن الرجل مسؤول عن الحروب وخصوصاً أنه هو الذي يخوضها تاريخياً. وهنا يوجد خلط هائل في الوقائع؛ فهل الرجال يخوضون الحروب لأنهم رجال أم لأن المجتمع يفضّل إرسالهم للحرب لأنهم الأقوى جسدياً ولأن موتهم في المعارك أخف وطأة على المجتمع من موت النساء؟

هنالك سبب بيولوجي يدعو لإرسال الرجال للحروب بدلاً عن النساء، وهو الحفاظ على قدرة المجتمع على التكاثر. فلنفترض أنه هنالك نزاع ما بين قبيلتين على نبع ماء وهو صراع من أجل البقاء لأنه لا يمكن للبشر العيش من دون مياه، من تعتقدون أن القبائل سترسل حين يندلع النزاع المسلح بينهما؟ هل سترسل النساء أم الرجال؟ سترسل الرجال طبعاً، لا لأنهم أقوى جسدياً فحسب بل لأنهم غير قادرين على الحمل. إن خسرت أي قبيلة نسائها في الحرب، سيبقى لديها عدد أقل من النساء لإنجاب الأطفال وستواجه بعد فترة خطر الانقراض مقابل القبيلة التي حافظت على جميع نسائها، لأن وجود رجل واحد ومئة امرأة كافي لإنجاب مئة طفل بينما وجود امرأة واحدة ومئة رجل يعني أنه لا يمكن إنجاب سوى طفل واحد.

فلننتبه هنا إلى أمرين:

  • الصراع لم ينشأ بسبب مفهوم الرجولة، بل بسبب نبع الماء. الصراعات تنشأ من الواقع ومن النزاعات على الموارد لا من المفاهيم النظرية.
  • الرجال يتم إرسالهم للحرب بسبب طبيعتهم البيولوجية، بغض النظر عن إيمانهم بمفهوم الرجولة أم لا.

*

هل يجب إلغاء الرجال؟

حين نعود إلى المقال نرى أزمة الرجال التي تحدّثنا عنها تتجلّى بوضوح في وصف كاتب المقال لرحلته الشخصية مع الرجولة، لكن فيما يعتبر كعدي أن الرجولة هي الأزمة ، أرى بالمقابل أن الأزمة الحقيقية هي غياب الرجولة (بمعناها البدائي البحت) وغياب الظروف التي تسمح للرجال بتحقيق ذواتهم، وحلول رجولة مأزومة ومنقوصة مكانها.

كعدي يقول مثلاً في المقال أنه كان يجيب “لا أريد أن أتحدث عن ذلك” كلما سأله أحدهم سؤالاً شخصياً يمكن أن يظهر ضعفه، وهو يبدو أنه يعتقد أن الرجولة تطلب منا الحصر والضيق والامتناع التام عن التعبير. في مكان آخر يقول كعدي أن “الأدوار الجندرية منعته من إقامة صلة ذات معنى مع الآخرين” وأنه كان يستخدم العنف لمعالجة الاختلافات في الرأي والتعامل مع التوتر.

هذه الأمور كلها تدلّ على مشكلة في التعاطي مع النفس ومع الآخرين يعاني منها العديد من الرجال، وخصوصاً أن معظمنا ينشأون اليوم من دون توجيه يذكر من آبائنا ونجد أنفسنا فيما بعد وحيدين في الحياة من دون وسائط اجتماعية حقيقية تربطنا بالرجال الآخرين وتشكّل مكاناً يتيح لنا مناقشة قضايانا والتعامل مع مصاعبنا. بدل العمل على إيجاد حلول لهذه الأمور، تتمثّل الإجابة النسوية الحالية بالدعوة لإلغاء الرجولة وإلغاء الرجال.

هذا الهوس الجديد برفض الرجولة يعود إلى تبنّي جزء كبير من النسوية الحالية أطروحات “إلغاء الجندر” التي تتمثل برفض تام لكل مفاهيم الرجولة والأنوثة وتسعى لإقامة هويات جندرية وجنسية متعدّدة Gender spectrum or gender continuum يصبح فيها الجميع خليطاً من الرجال والنساء لا رجالاً ونساءً فحسب. هذا النوع من النسوية لا يشنّ حرباً على الرجال فحسب بل على النساء كذلك حيث أنه ينفر أيضاً من كل ما هو أنثوي، لكن هوسه الأساسي يبقى إلغاء الرجال بكل ما للكلمة من معنى.

المجتمع الذي تحلم به النسخة الحالية من النسوية.

المجتمع الذي تحلم به النسخة الحالية من النسوية.

سنعود لنقاش هذه الأيدولوجيا في مقالات لاحقة وسنكتفي الآن بالإشارة إلى خلل أساسي في هذه الأيدولوجيا وهي أنها تعتقد أن المفاهيم الموجودة في رؤوس الناس هي التي تصنع الواقع ولا تدرك أن المفاهيم تنشأ من الواقع ولو كانت تؤثر عليه في بعض النواحي.

يعبّر كاتب المقال الذي ناقشناه عن ذلك في الجملة الأخيرة من مقالته بالقول:

“من المهم على الرجال أن يبدأوا بفهم التنشئة الاجتماعية الجندرية وأن يأخذوا بعين الاعتبار امتيازاتهم. التغيير الحقيقي يحصل هنا”.

النسوية العصرية تعتقد أن التغيير الحقيقي يحصل في رؤوس الناس وفي تصرفاتهم اليومية لا في الواقع المادي والمؤسسات والبنى الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تحكم حياتهم. لذلك تنشغل النسويات العصريات بشنّ حرب على رؤوس الناس وعلى تصرفاتهم الشخصية بدل محاولة تغيير الواقع وبدل مواجهة المؤسسات الفعليّة التي تظلم الناس ، وذلك إما يعود لنيّة حسنة يشوبها سوء فهم هائل لعمليّة التغيير، إما تنمّ عن جبن تام في مواجهة الواقع وما يترتب على ذلك من ثمن.

من الأسهل على النسويات اليوم أن ينتقدن أهلهنّ وإخوتهنّ وأصدقائهنّ وزملائهنّ الذكور في العمل وأن ينتقدن الرجال العاديين أينما ذهبوا، لكن نادراً ما نرى نفس الحماسة لديهنّ في مواجهة سلطات الأمر الواقع وشركات الاستعباد والإسلاميين والميليشيات والطغاة الذين يحكمون حياتنا.

نتيجة هذه الأيدولوجية الحاقدة على الرجال والنساء، هنالك محاولات حثيثة من جزء كبير من النسوية العصرية لتغيير الرجال جسدياً ونفسياً وذهنياً وجعلهم أقرب بالشكل والمضمون للنساء، كما أنه هنالك محاولات حثيثة شبيهة لتغيير النساء جسدياً ونفسياً وذهنياً وجعلهن أقرب بالشكل والمضمون للرجال .

من نافل القول أن هذه الجهود ستفشل لأن الأنوثة والذكورة هي أمور من طبيعة الوجود ولا يمكن أن تنتهي سوى بانتهاء الليل والنهار، لكن المشكلة أنها ستسبّب خلال هذا الوقت بمعاناة هائلة لكل الأطراف التي ستتفاعل معها. من المفارقات الكبيرة أن النسوية العصرية التي تعتقد أنها أتت لتخليص العالم من آلامه تعتنق أيدولوجية وأسلوب في العمل يشكّل نسخة جديدة وسيئة من أطروحة رفض الذات التي حكمت الثقافة السائدة لمئات السنين ، وهي بدل أن تقودنا لمصالحة مع الذات بعد الغربة التي فرضتها علينا الحضارة، تريد أن تفرض علينا غربة جديدة عن أجسادنا ونفسيّتنا، لكنها كما المحاولات المماثلة السابقة، مصيرها الفشل لأن الطبيعة البرّية التي ولدنا منها والتي تعيش فينا تبقى أقوى من كل الأيدولوجيات.

8 comments

  1. Mem · فبراير 8

    تقول ماهو المطلوب من الرجال وماهو المطلوب من المرأة إذا بعيدا عن النسوية – إذا كانت طبيعتنا البرية والبيلوجية – أقوى مع العلم أن هناك من يتعلل بهذه الطبيعة من منتقدي النسوية لإلزام المرأة بأدوار معينة في الفضاء العام لأنها تنتمي في النهاية للأسرة وللتأكيد على تفوق الرجل البيولجي عامة ، أنا أتفق معك في تطرف بعض النسويات وتشويهن للعلاقة بين الرجل والمرأة بدل رؤيته كشريك في النضال لكن هناك الكثير من الإنتقادات السطحية للنسوية أيضا من قبل الرجال إلى درجة تصل إلى كراهية المرأة أحيانا . هذا الهجوم على النسوية مع عدم وجود بديل واضح للمرأة العادية سيزيد من تشويشها إتجاه نفسها وماهو المطلوب منها .

    • Adon · فبراير 10

      مرحبا ميم،
      لا يمكن الحديث عن كل تفرّعات هذا الموضوع في مقال واحد وهو من دون شك موضوع معقد وحساس. لا اتفق مع اطروحات التفوق البيولوجي للرجل لكني لا اتفق ايضاً مع اطروحات أنه لا يوجد أي اختلافات على الاطلاق بين الإناث والذكور. هنالك اختلافات بين أجساد الرجال والإناث تجعلهما متكاملين ولا يمكن لأحدهما الحلول مكان الآخر. انا من المؤمنين بضرورة المساواة القانونية التامة بين الرجال والنساء لكن مشكلتي الأساسية مع النسوية الحالية هو كرهها المستجدّ للرجال ومع أطروحات إلغاء وتعدّدية الجندر التي تُترجم حالياً بحرب على الذات تذكّرني كثيراً بالأطروحات الأصولية الدينية.

  2. غير معروف · فبراير 9

    ماهو المقصود بالرجولة بمعناها البدائي البحت ؟

    • Adon · فبراير 10

      المقصود ما تطوّرت أجساد الرجال لتقوم به على أفضل وجه خلال مئات آلاف السنين من التطور، وهي ببساطة الصيد، القتال، والتكاثر.
      بعبارة أخرى، العيش بحرية في البرّية كأي حيوان آخر من دون مكاتب ودوامات وقضاة ورجال شرطة ونسويّات ومن دون معظم البنية الاجتماعية الحضارية الموجودة حالياً.
      تجدر الإشارة إلى أن هذه الأمور الثلاثة التي ذكرناها (الصيد والقتال والتكاثر) هي جميعها فريدة في الرجل في معظم الفصائل البشرية. التكاثر هو طبعاً غريزة مشتركة للإناث والذكور لكنه مختلف هرمونياً وبيولوجيا وكنتائج فيزيولوجية بين الاثنين – مثلاً الرجل لا يحمل ولا يرضع وحتى هرموناته التي تتيح له التعاطف مع الآخرين والاطفال هي أقل مستوى مقارنة مع النساء.

  3. حنين (@HANOUN_N) · فبراير 10

    مقال رائع؛ المشكلة هنا أن المرأة والرجل تركا منظومة المفاهيم والموروثات التي تضغط عليهما كليهما كإنسان؛ وبدأت حالة منافسة محمومة بينهما، وبدل أن يوجه الجهد لتغيير هذا الموروث -ما من شأنه أن يحسّن حالهما معًا- باتت الجهود لكيل الاتهامات وتغيير بعضهما البعض.
    في كل الأحوال، أعتقد أن أيّة “مظلومية” يعاني منها أي إنسان في العالم؛ لن تتبدل ما دام التركيز على الطرف الآخر في تحميله المسؤولية والرغبة بتغييره وهزمه ومحقه وإزالته؛ بينما ستزول حالة المظلومية تلقائيا وكتحصيل حاصل عندما يكون التركيز على الذات، والذات فحسب.

    • Adon · مارس 6

      مرحباً حنين،
      أوافق تماماً عن أن المنافسة والتأزم في العلاقات بين الجنسين هو أمر مؤسف ويأخذ من طريق الكثير مما يمكن أن نفعله في فهم ذاتنا والعالم من دون كل هذه التعقيدات.
      سلامي

  4. Mem · فبراير 11

    طبعا أنا مع حق الرجل في التحرر من كل وصاية لكن هل التعويل على الطبيعة البشرية/البرية وحدها يبدو كافيا كي لا تعود الذكورية من جديد بأشكال ووسائل أخرى بعيدا عن ضغوط الحضارة بشكلها الحالي ؟

    • Adon · مارس 6

      مرحبا ميم،
      فاتني تعليقك سابقاً. أفهم هذا الهاجس تماماً لكن لا اعتقد أنه هنالك أحد في العالم يستطيع تقديم ضمانات حول المستقبل وخصوصاً حين يتعلق الأمر بما سيكون عليه العالم في فترة ما بعد الحضارة مثلاً.
      تحياتي

التعليقات مغلقة.