استقبال الشمس على سفوح الهيمالايا

إحدى المشاهد من أعلى النقاط في سارانكوت على سفوح الهيمالايا. الصورة بعدستي.

إحدى المشاهد من أعلى النقاط في سارانكوت على سفوح الهيمالايا. الصورة بعدستي.

*

طوني صغبيني

*

كانت الساعة الرابعة صباحاً حين وقفت في البرد على سفح قرية سارانكوت في النيبال، اتأمل الدرب المتعرّج الذي يرتفع أمامي في ما بدا كأنه سلّم يصعد إلى السماء . كان الظلام لا يزال دامساً وبدا الدرج الذي أقف أمامه كأنه لا نهاية له، يصل إلى عالم غامض خلف الضباب. عدّلت الشال السميك حول عنقي، وفاحت منه رائحة خفيفة تذكرني بعطر حبيبة بعيدة وقتها، وما أن بدأت بالمشي حتى تملكني شعور خفيف بالحزن لأنني تمنيت لو أنني لا أسلك هذه الدرب الآن وحدي.

كنت سمعت في اليوم السابق أنه يمكن رؤية كامل سلسلة جبال الهيمالايا تقريباً من أعلى نقطة في هذه القرية الجبلية الصغيرة. بدا كأنه المكان المثالي لأكون مع الجبال والشمس؛ أردت أن أسبق الفجر وأن استمع قليلاً لما تحمله رياح الهيمالايا إليّ من قصص، وأن أفرّغ بدوري القليل مما في جعبتي لنجمة الصبح في هذه الوديان القديمة.

سارانغوت هي قرية مثيرة للاهتمام تقع في منطقة بوكارا الداخلية في النيبال. تتوزع بيوت القرية على جانبي سفح جبلي مرتفع وضيق في بعض الأمكنة لدرجة أنه لا يتسع سوى لمنزل واحد ولطريق صغير بجانبه يمرّ عبره المشاة. لا يوجد سيارات أو دراجات نارية أو هوائية في القرية بسبب وعورتها الجغرافية ولا يمكن التنقل بها سوى مشياً على الأقدام، وخصوصاً أنها ترتفع من نحو 900 متر في أسفل القرية إلى 1592 متر في أعلى نقطة لها. إنها من الأماكن التي كلما اعتقدت أنك وصلت لأعلى نقطة فيها ترى طريقاً متعرجاً آخر يأخذك بعد إلى الأعلى.

أضف إلى ذلك غياب شبه كامل لمظاهر التكنولوجيا الحديثة كالصحون اللاقطة والتدفئة المركزية (السكان يستخدمون الحطب للتدفئة) والآليات الزراعية، وسيبدو لك من اللحظة الأولى التي تدخل فيها القرية كأنك عبرت ثقب زمني انتقل بك إلى الماضي. هنالك محطة أولى لمشاهدة الجبال عند السفح الأدنى للقرية تحتاج لنحو 45 دقيقة للوصول إليها ويمكن مشاهدة كل الجبال منها، وهي المحطة التي توقفت فيها معظم المجموعة التي كنت أسافر معها. الوصول إلى أعلى محطة يحتاج لنحو ثلاث أو أربع ساعات من المشي والتسلق الخفيف. وهذا طبعاً ما كنت أخطط للقيام به.

من بيوت قرية سارانكوت. الصورة بعدستي.

من بيوت قرية سارانكوت. الصورة بعدستي.

*

الهدية الأولى

بعد نصف ساعة من المشي صعوداً في طرق ضيقة بين المنازل والمزارع الصغيرة، وهبتني سارانكوت هديتي الصغيرة الأولى. كنت استمتع بتنفّس الهواء البارد النقي وأشاهد إحدى النساء وهي تحمل بعض الحطب لتشعل فرن الطهي الخارجي، حين شدّني صوت آلة غزل صوف على بعد أمتار قليلة منها. توجهت صوب المكان فرأيت نفسي في غرفة معتمة لا تنيرها سوى نافذة صغيرة في وسطها تلقي الضوء على آلة كبيرة وقديمة لغزل الصوف، وعليها امرأة مسنّة تعمل بإيقاع هو أقرب للرقص أكثر من أي شيء آخر.

مرّت بضعة ثوانٍ حتى أدركت المرأة أنني أقف عند الباب وأتأملها. شعرتُ بالحرج لأنني أقف هناك كالمتطفّل أراقبها في مكان عملها من دون إلقاء السلام حتى. كنت أهمّ بالخروج قبل أن تبتسم وتدعوني للدخول لتفحّص بعض القبعات والملابس التي قامت بحياكتها. لكل قطعة في غرفتها الصغيرة قصة، فهذا شال رسمت أنماطه ابنتها، وهذه قبعة غريبة الشكل تعلمت صنعها لأن زوجها كان يريد تدفئة أذنيه الباردتين خلال فصل الشتاء.

صادفت الكثير من الأشخاص اللطيفين في حياتي لكن كان هنالك شيء مختلف فيها، شيء حقيقي ونقي. كانت من أولئك النساء اللواتي هنّ جدّات الجميع بطبيعتهنّ، من اللواتي يستطعن النظر إلى أي شخص والخروج بعطف أمومي تجاهه ومعرفة ما إذا كان هنالك من خطب ما داخله.

من شوارع القرية. بعدستي.

من شوارع القرية. بعدستي.

فيما كنت أنظر للأقمشة وقع نظري على قلادة فضية معلّقة على عارضة خشبية قرب باب الغرفة، تمثّل دولاب الحياة البوذي. اقتربت أكثر لرؤية تفاصيلها فالتفتت المرأة إلي كأنها اكتشفت أمراً ما عنّي، وإذ بها تسألني إن كنت أخطط للوصول إلى أعلى نقطة في القرية. أجبتها بالإيجاب، وهزّت برأسها كأنها حصلت على إجابة أكبر بكثير من تلك التي لفظتها، وقالت لي أنه لديها شيء صغير سيساعدني في رحلتي. بعدما نادت حفيدتها، دخلت الفتاة الصغيرة إلى المنزل ثم عادت وأعطتني تمثالاً صغيراً جداً، أصغر من ابهامي، وقالت لي المرأة أنه يمثّل تارا الخضراء. ارتسمت ابتسامة صغيرة على قلبي في تلك اللحظة.

تارا الخضراء هي إلهة العطف والألفة لدى التيبيتيين، ويصلّي لها البوذيون لتحميهم من الأخطار خلال رحلاتهم وتساعدهم على تنقية قلوبهم من “السموم الثلاث” وهي الجهل، التعلّق (بالرغبات والأشياء الجميلة)، والتهرّب (من الأشياء المؤلمة والموت). الأهم هو أن إحدى ألقابها هو نجمة الصبح، وهي أيضاً حارسة التعاليم السرية في الفيجرايانا، فرع البوذية التيبيتية الذي كنت أدرسه في ذلك الوقت. هذه الهدية الصغيرة التي تكاد تكون بحجم حبة كرز لا تزال حتى اليوم بعد أربع سنوات من تلك الحادثة أفضل هدية حصلت عليها في الحياة.

كنت لا أزال مأخوذاً بالتمثال الصغير ولم أعلم في لحظتها ما إذا كانت تبيعني إياه أم ماذا، أخرجت محفظتي لأدفع ثمنه وإذ بها توقفني وتصرّ أنها هدية. شكرتها وذهبت بعد برهة من الوقت، لكن كثرة المشاعر التي انتابتني في تلك اللحظة ألهتني عن التقاط محفظتي من المكان قبل الخروج، ولم اكتشف أنني نسيتها إلا بعد نحو نصف ساعة من إكمال رحلتي صعوداً. الدرب أصبحت أكثر صعوبة بعد تجاوز محطّة المراقبة الأولى، حيث حلّت الأدراج العالية مكان الممرات الضيقة. توقّفت قليلاً لألتقط أنفاسي ونظرت إلى الأعلى حيث تمتدّ مئات الدرجات صعوداً فيما الضباب يلقّح الأعشاب المنتشرة بينها بندى ما قبل الفجر.

*

سفوح الهيمالايا

في إحدى النقاط الأولى في سارانكوت. ارتدي الشال بهذه الطريقة بسبب البرد. بعدسة الصديقة ميسان.

الهدية الثانية

كنت أنظر أمامي وأفكّر إذا ما كان يجب أن أعود أدراجي للحصول على محفظتي والمخاطرة بالتخلّف عن موعدي مع الشمس. كنت مستغرقاً في التفكير قبل أن تعطيني سارانغوت هديتي الثانية.

فيما وقفت هناك شعرت بيد صغيرة تشدّ سترتي خلفي، التفتت وإذ بها الفتاة الصغيرة التي رأيتها في المكان السابق تلتقط أنفاسها، تمسك سترتي بيد وتحمل محفظتي باليد الأخرى. كانت معالم وجهها تدلّ كأنها ربحت للتوّ لعبة تحدّي مع أصدقائها الصغار في الحيّ، فعلى ما يبدو كانت تلحقني لعدّة دقائق لكن وتيرتي كانت سريعة ولم تستطع الوصول إلي إلا عندما توقّفتُ للاستراحة.

لا أزال أتذكّر ضحكتها جيداً، وتساءلت داخلي أنني إذا ما انجبت ابنة يوماً ما هل ستكون هي أيضاً هالة من الفرح كهذا الشيء الصغير الذي يقف أمامي؟ الهدية التي أعطتني إياها هذه الفتاة ليست محفظتي، بل فعل اللطف البحت الذي أتى في وقت كنت فيه بصدد التخلّي التام عن إيماني بالكثير من الأشياء الجميلة. أتت هذه الفتاة الصغيرة بابتسامتها البريئة لتضحك على سوداويتي ولتعطيني بقعة ضوء صغيرة تعيد لي القليل من الإيمان بالخير في هذا العالم.

لم أكد أشكرها حتى بدأت بالركض عائدة إلى منزلها، ومن يعلم الصغار يعرف أنهم حين يركضون يستمتعون بفعل الركض ذاته، كأنهم يطيرون طيراناً، لا مثلنا نحن الكبار المهووسون بنقطة الوصول والذين نركض في الحياة من مكان لآخر رغماً عن إرادتنا من دون الاستمتاع بالرحلة ولا بالوجهة.

بدأت بصعود الأدراج وكان عليّ أن اتسلّق بسرعة أكبر لكي أصل قبل الفجر، وهذا ما فعلته. الجزء الأعلى من سارانغوت هو أكثر هدوء بكثير من الأجزاء الدنيا، وكلما ارتفعت أكثر يقلّ وجود المنازل والزوّار. وفي الجزء الأخير من الدرب كنت أشقّ طريقي نحو السماء وحدي لا رفيق لي سوى بعض نسور الهيمالايا التي تحلق من بعيد.

في جزء عالٍ من القرية فوق بعض الأدراج الصخرية ويبدو جزء من الدرب الذي يتسع فقط للمشاة.

في جزء عالٍ من القرية فوق بعض الأدراج الصخرية ويبدو جزء من الدرب الذي يتسع فقط للمشاة. الصورة بعدستي.

*

الهدية الثالثة

بعد نصف ساعة أخرى من الصعود وصلت إلى ما يبدو أنه قمة الجبل، وكان الدرب يلتفّ حولها بشكل دائري بسبب شدّة الارتفاع. أكملت تقدّمي حتى صادفت رجلاً يبدو كأنه في الستينيات أو السبعينيات من عمره. وقف الرجل أمامي في منتصف الدرب تقريباً من دون حراك ويداه مكتفة وراء ظهره. كان ذا وجه نحيل مع لحية خفيفة رمادية اللون، يرتدي القبعة المحلية التقليدية، الدكة، وعلى خصره يستريح السكين النيبالي الكبير، الكوركي.

قدّرت أنه قد يكون عسكرياً متقاعداً نظراً لوقفته العسكرية وسكينه القتالي. توقفت قليلاً لألتقط أنفاسي وإذ به ينظر إليّ بابتسامة هادئة . اعتقدت أنه يريد أن يسألني شيئاً لكنه استمرّ بصمته ونظرته الثاقبة. أومأت له بالسلام فهزّ رأسه، ولتزداد رحلتي غرابة شعرت أيضاً أنها ليست المرّة الأولى التي التقي فيها هذا الرجل. قد يكون تعبي يسبب لي القليل من الهذيان لكني شعرت كأن نظراته تقول لي أنه يمكنني أن أستريح الآن. وقفنا هناك للحظة واحدة نتأمل بعضنا البعض في ما بدا كأنه دقائق طويلة، ثم أومأ لي برأسه إلى شيء ما خلفي. وبدأ بالمشي صوبي وكرّر إيماءته لي لكي أنظر خلفي. نظرت وإذ بالشمس تطلّ برأسها من وراء القمم البيضاء.

وقفنا كلانا نتأمل صعود الشمس بصمت كأنها عائدة محمّلة بالأسرار والدفء بعد رحلة طويلة في العالم السفلي. لم نتبادل أي كلمة فيما بعد. قد يكون الرجل يتواجد هناك كل يوم ليرحّب بالشمس، لكن وجوده في ذلك اليوم تحديداً كان كأنه ليحرص على التزامي بموعدي مع الصباح. هذه الإشارة الصغيرة من رأسه التي أنقذت لقائي مع شعلة الآلهة في اللحظة الأخيرة كانت الهدية الثالثة التي حصلت عليها عند ذلك السفح. وقفت أمام هذه الشمس الجديدة كأنني أراها للمرّة الأولى، وحدثتها بما جئت لأقوله.

*

قبل بزوغ الشمس بقليل. بعدستي.

قبل بزوغ الشمس بقليل. بعدستي.

هدية الشمس للعالم

ثلاث هدايا أعطتني إياها سارانكوت في رحلتي للقاء شمس الهيمالايا، كل واحدة منها أضافت القليل من الدفء لقلب متعب؛ وأشعرتني أن الأشياء الصغيرة والكبيرة في هذا العالم لا تزال جميلة، حتى ولو بدا لي عكس ذلك لفترة طويلة.

كنت أمرّ خلال تلك الفترة بمرحلة عصيبة في حياتي الشخصية وكان الشرق بأكمله يقف عند حافة الجحيم، وقد يكون كل ما حصل وقتها مجرّد صدف عشوائية حمّلتها من المعاني أكثر مما تحتمل، لكن في كلّ الأحوال الدفء الذي غمر قلبي في تلك اللحظات كان دفئاً حقيقياً، والامتنان الذي شعرت به فيما بعد ولا أزال أشعر به اليوم هو شعور حقيقي أيضاً. احتجت لهذه الصدف الصغيرة لتذكّرني بأن الرياح والأعشاب والنجوم ونسور الجبال والحب والناس الجميلة متواجدة في كافة زوايا الكوكب وهي كلها أيضاً أمور حقيقية، ولا يوجد أي كارثة يمكن أن تلغيها من الوجود.

كذلك الشمس التي تصرّ أن تشرق كل يوم بغضّ النظر عن كل آثامنا وآلامنا التي ارتكبناها أو عانيناها في اليوم السابق، هي أيضاً شمس حقيقية وتعطينا كل مرّة يوماً جديداً لنبدأ به على صفحة بيضاء. عندما وقفت على سفح ذلك الجبل أفكّر في الهدايا الصغيرة التي حصلت عليها على دربي، أدركت أمراً بوضوح أكبر للمرة الأولى: طالما هنالك شمس جديدة تطل علينا كلّ صباح، فهذا يعني أن كل ما سبق ذلك من تعب أو آلام بات ينتمي للبارحة، ومع كل فجر جديد لدينا فرصة أخرى في الحياة ويوم آخر لنعيشه ولنتنشّق خلاله الهواء بكامل رئتينا ولنختبر المزيد مما تقدّمه لنا هذه الحياة من جمال، أليس ذلك رائعاً؟

8 comments

  1. Zaher · فبراير 21, 2016

    رائعة جدا يا طوني … بس أنا مهتم كتير أعرف وين وصلت بدراستك للبوذية هل تابعت دراستها أو ممارستها أو على الاقل اعتناق بعض مبادئها ؟

    • Adon · فبراير 23, 2016

      شكراً زاهر.
      أكيد بدأت دراسة البوذية بالأساس لأني شعرت اني قريب من مبادئها واعتنق جزء كبير من ممارساتها وخصوصاً فرع بوذية الفيجرايانا، واعتقد انني يمكن أن يتم تصنيفي كبوذي وفقاً للممارسة لكن نادراً ما استعمل ذلك لوصف نفسي لأني لدي بعض التحفظات حول بعض الأمور.

      • zaherhh83 · فبراير 24, 2016

        اعرف….أنت تكره ان توسم بشيء محدد …اقصد الـLabels 🙂

  2. molta7ad · فبراير 21, 2016

    بل أكثر من رائع يا طوني.
    أتساءل دائمًا لو كنت في يوم من الأيام في مكان (كالذي كنت فيه أنت) هل ستطاوني قدماي للعودة من حيث أتيت؟ لا أعتقد

    • Adon · فبراير 23, 2016

      شكراً كتير صديقتي. انا كمان بسأل حالي نفس السؤال كلما كون بهيك مشوار، وكل مرة بتكون الرجعة أصعب. بعتقد رح يجي يوم وما ارجع من شي رحلة هههه
      سلامي

  3. Aissa · فبراير 26, 2016

    مرحبا صديقي طوني
    رحلاتك دوماً ما تثير بداخلي الروع والتمني أني يوماً أخوض مثلها .. حقاً رائع أنت وتجاربك صديقي وما تبتطن منها من عبر ومعاني.
    مشاعر الأمل كَانَت دائماً تشكل الدافع والزخم إلى الإستمرار ، وهذا مستمرُّ معي إلى ما أختبره هذا اليوم ..
    عندما يكون الآخرين والأحداث من حولنا قد أَوْشَكُت أَنْ تفقدنا كل أمل في إمكانية بقاء الخير في هذا العالم نصادف أحياناً أشخاص أو تأملات بالطبيعة العذراء التي لم تمسها أيادي الطمع والتخريب, مثل ما وصفت, يبثون في قلبك ما تعجز عن وصفه الأوصاف .

    شكراً لك على مشاركتك إيانا تجربتك صديقي طوني.

    • Adon · فبراير 29, 2016

      عيسى بتمنى تكون بخير صديقي، انبسطت اني سمعت منك وشكراً جزيلاً على تعليقك اللطيف عزيزي.
      تحياتي

  4. حمزة · مارس 20, 2016

    رائع

التعليقات مغلقة.