لماذا نجد صعوبة كبرى في الاستيقاظ باكراً

الاستيقاظ باكراً

*

طوني صغبيني

*

لا اعتقد أنني الموظف الوحيد على الكوكب الذي يفضّل الاستمرار في النوم على الاستيقاظ في الصباح الباكر والذهاب إلى وظيفته، ولا اعتقد أيضاً أنني الوحيد الذي يقرّر كل يوم أنه سينام باكراً ليستيقظ في وقت أبكر في اليوم التالي. رغم أن أجسادنا قد تطوّرت لتنام وتستيقظ بشكل طبيعي جداً بكلّ سلاسة كما بقية المخلوقات الحيّة على هذا الكوكب، يبدو أن المعاناة مع الاستيقاظ الباكر هي سمة أساسية للحياة في هذا العصر. ما هو السبب؟ ولماذا لا يتحدّث أحد عن ذلك؟

كوني من الأشخاص الذين يعانون من متاعب مزمنة مع الأرق ومع الاستيقاظ الباكر، فكّرت كثيراً في هذا السؤال وكرّست أوقات طويلة للبحث حول هذا الموضوع. حين بدأت بالتوصل إلى خلاصات، فوجئت بكم تكشف هذه المشكلة عن أزمات تتجاوز حياتنا الفردية وتعبّر حقاً عن جوهر أزمة العالم اليوم. حسناً حسناً، أعلم أن الجملة الأخيرة قد تبدو قفزة منطقية مضحكة، وأعلم أن بعض القرّاء يبتسمون الآن من قدرتي على استخلاص العبر الضخمة من كلّ شيء، لكن دعوني أشرح وجهة نظري قليلاً.

لفترة طويلة كنت أعتقد أن صعوبات النوم والاستيقاظ مرتبطة بطبيعة كلّ شخص على حدة، ومنها متاعبه وهمومه النفسيّة وهرموناته وفيتاميناته والظروف المحيطة بغرفته كالضجيج والإضاءة. قرأت عن كلّ ذلك خلال رحلتي لبناء عادة الاستيقاظ الباكر، وجرّبت على مرّ السنوات معظم التوصيات المرتبطة بهذه الأمور، بدءاً من أكثرها علميّة وصولاً إلى محاولات النوم على أغاني عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب لأن قريب لي أخبرني أنه يغفو كالطفل ما أن يسمعهما. محاولاتي المذكورة حسّنت من نومي قليلاً، لكن المشكلة الأساسية المتمثلة بصعوبة الاستيقاظ باكراً بقيت هي نفسها… حتى أدركت أمراً لم انتبه له من قبل.

خلال الفترة الماضية أدركت أن صراعي مع الاستيقاظ الباكر يحصل فقط خلال أيام العمل، ولا أجد صعوبة على الإطلاق في الاستيقاظ قبل الشمس خلال أيام العطلة والسفر أو حين أكون بصدد القيام بشيء أحبّه. خلال التخييم والسفر، أكون عادة الشخص المكلّف بإيقاظ الآخرين لأنني دائماً ما أنهض من الفراش في وقت باكر جداً. إلى ذلك، اعتقد أنني الوحيد بين أصدقائي الذي يستيقظ باكراً في عطلة نهاية الأسبوع.

كان كلّ ذلك اكتشافاً هائلاً. لا أعلم لماذا احتجت كل هذا الوقت لأدرك أن صراعي مع الاستيقاظ الباكر خلال أيام الأسبوع ليس كرهاً بالصباح أو حباً بالنوم، بل هو صراع مع الوظيفة المكتبيّة، بكلّ ما تعنيه لي من قيود ورتابة وموت بطيء. الأمر هو بهذه البساطة، وإلا لما كنت قادراً على الاستيقاظ باكراً خلال الأيام الأخرى.

حين نفكّر بذلك، الأمر منطقي جداً: لكي نستيقظ باكراً علينا أن نكون متشوّقين ومتحمّسين وسعداء لقضاء اليوم الذي ينتظرنا، ووظائفنا هي في معظم الأحيان تسبّب عكس كلّ هذه المشاعر تماماً. باستثناء الخرّيجين الجدد الذين لم تأكلهم بعد رتابة الوظيفة، وإلى جانبهم بعض المحظوظين الذين يعملون في مجالات يحبّونها أو في أعمال متناسقة تماماً مع طباعهم، معظمنا نكره يوم الإثنين بشغف فيما ننتظر بفارغ الصبر حلول نهاية الأسبوع، كل أسبوع.

لكي نستيقظ باكراً، على اليقظة أن تكون أفضل من النوم، لكن هل الاستيقاظ باكراً وقضاء ساعة في زحمة السير ثم الجلوس لتسع ساعات داخل غرفة مغلقة على كرسي غير مريح وراء مكتب وشاشة للكتابة عن منتجات حماية البشرة هو أمر يدعو للحماس؟

صعوبات الاستيقاظ الباكر هي ردّة فعل طبيعية تحصل في لاوعينا وتحاول رغماً عنا تجنيبنا يوم آخر من الرتابة والإرهاق. المنظومة الاقتصادية السائدة جعلت من عالم العمل مكاناً رتيباً وكئيباً لدرجة أنها تدفع بعض الناس إلى انتظار الزكام والمرض بشوق لكي يغيبوا عن وظائفهم ليوم أو أكثر.

وهذا هو العالم الآن؛ هنالك أشخاص غيرنا يقرّرون لنا قبل أن نستيقظ ما الذي يجب أن نقوم به في يومنا، يقرّرون لنا أين يجب أن نكون وكم من الوقت سنقضي على عمل معيّن قبل الاستراحة، وإن كان عملكم ذو طابع فكري مثلي، هنالك أشخاص يقرّرون مسبقاً أيضاً ما الذي يجب أن تفكّرون به خلال يومكم أيضاً. أضف إلى ذلك الساعات التي نقضيها للانتقال من وإلى العمل وتلك التي نقضيها لتحضير أنفسنا للعمل والاستراحة منه، وسنجد أن الوظيفة تبلع يومنا بأكمله كل يوم. من الطبيعي أن تقاوم أجسادنا الاستيقاظ حين يكون هذا السيناريو بانتظارنا كلّ يوم، أسبوعاً بعد أسبوع وشهراً بعد شهر وعاماً بعد عام.

طبعاً هذا لا يعني أنه يجب نكتئب أمام هذا الواقع فهنالك طرق للخروج من الحلقة المفرغة للوظيفة تحدّثنا عنها سابقاً على المدونة. الأمر هو أن ندرك أن الصعوبات والضيق الذي نعاني منه بشكل متزايد في وظائفنا خلال السنوات الأخيرة ناتج عن خلل كبير في نمط عيشنا وليس ناتجاً عن خلل شخصي أو نفسي فينا كما يحبّ الإعلام والمدراء أن يقولوا لنا. واقعنا تحكمه منظومة اقتصادية لا يهمّها سوى جني المال واكتساب المزيد من السلطة ولا تكترث أبداً بعافيتنا وسعادتنا.

كلّما درست الأمر أكثر كلما اقتنعت أن حالة طبقة العمّال في ظلّ امبراطورية العولمة تشبه إلى حدّ بعيد طبقة العبيد في الإمبراطورية الرومانية، لكن الفارق أنه هنالك بعض الأمور يمكننا القيام بها اليوم كأفراد لبناء مساحة من الحرّية في ظلّ الواقع الحالي. إلى ذلك، لا يوجد امبراطورية تستمرّ إلى الأبد؛ وسيأتي يوم نستيقظ فيه باكراً وستكون المكاتب والأبراج والوظائف والحواسيب أموراً من الماضي، وبانتظار ذلك اليوم – الذي سبق وحلّ بأسوأ صوره في عدّة أجزاء من العالم، يبدو أنه علينا أن نستمرّ بمصارعة النوم كل يوم للاستيقاظ والمشاركة في مسرحية الحضارة.

 

3 comments

  1. zaherhh83 · مارس 6

    ملهم كالعادة …. شكرا طوني.

    • Adon · مارس 6

      شكراً إلك زاهر.
      سلامي!

  2. علي · مارس 15

    رائع وملهم كالعاده

التعليقات مغلقة.