ماذا حصل لأطروحة السقوط البطيء للحضارة

هذه الصورة لم تعد خيالاً علمياً.

هذه الصورة لم تعد خيالاً علمياً.

*

طوني صغبيني

*

لو قال لنا أحدهم في العام 2010 أنه حين يحلّ العام 2016 سيكون هنالك ثلاثة حروب أهلية عربية تحصد مئات الآلاف وتهجّر الملايين من الناس، وأن العالم بأجمعه سيكون بمثابة مكان فُتحت فيه أبواب الجحيم على مصراعيها، لما كنّا سنصدّقه على الإطلاق ولقلنا له أنه يبالغ في سوداويته. للأسف هذا هو الواقع اليوم وهذا ما تنبّأت به أطروحة السقوط البطيء للحضارة الصناعية التي كُتب عنها بغزارة منذ عشرة أعوام على الأقل – من دون أن يعيرها أحد أي انتباه يذكر. ردّة الفعل المستغرِبة لهذا السيناريو شهدتها بنفسي كثيراً حين تحدثّت عن الأمر في كتابي الصادر عام 2011 بعنوان “الأزمة الأخيرة: السقوط البطيء للحضارة الصناعية“.

هنالك اليوم مئات آلاف المسلّحين المتقاتلين في شرقنا الحزين، منهم خلافة إسلاميّة تمتدّ من العراق إلى سوريا؛ الاتحاد الأوروبي مهدّد بالتفكك وأوروبا بصدد إغلاق حدودها والتحوّل إلى فاشية جديدة بسبب أزماتها المالية والسياسية الداخلية، فيما الاشتباكات المسلّحة بين عناصر الشرطة وأبناء الضواحي باتت خبراً يومياً في الولايات المتحدة. كلّ ذلك والاقتصاد العالمي يقف على حافة أزمة جديدة وهو لم يتعافَ بعد من انهيار السوق المالي في العام 2008.

رغم ذلك، لا يزال هنالك قلّة معدودة جداً تدرك ما الذي يحصل فعلاً في العالم، بل إن البعض ينكر وجود أي أزمة أساساً، فيما وسائل الإعلام والأحزاب وسلطات الأمر الواقع لا تزال تخبرنا كل يوم أن كل شيء على ما يرام وأن الرئيس أو الخليفة هما على قاب قوسين أو أدنى من نقلنا إلى العصور الذهبية. يبدو أن المؤسسات المعرفيّة والسياسية والثقافية في عصرنا غير مؤهلة على الإطلاق لاستيعاب السقوط البطيء للحضارة، والنتيجة هي أن غالبية “الخبراء” والناس لا تزال تعتقد أن الأزمات منفصلة عن بعضها بعضاً، وأن هذا الوضع هو مؤقت وأن الحضارة والمجتمع سيعودان قريباً إلى سكّة التقدّم والسلام والرفاهية.

لا أحد يريد أن يتعاطى مع حقيقة الأمر: ما نشهده اليوم ليس أقلّ من الحلقة الأولى من السقوط الفوضوي، الدموي، البطيء والشامل، لحضارة لم تعد قابلة للاستمرار. هذا لا يعني أن مستقبلنا مظلم، بل قد يكون العكس تماماً لأنه سيعطينا فرصة التخلّص من أكثر الأمور شناعة في التاريخ البشري وإعادة اكتشاف أكثر الأمور فطرية وجمالاً فينا بعيداً عن الآلة الرهيبة للحضارة. ماذا يعني إذاً السقوط البطيء؟

*

ما هو السقوط البطيء للحضارة

تتمثّل أطروحة السقوط البطيء بالجملة التالية: حضارتنا المعقّدة والمتطوّرة لم تعد تمتلك قابلية الاستمرار، وذلك لأنها تعاني من مشكلة في عنصر أساسي يكاد لا ينتبه له أحد: مصادر الطاقة.

حضارتنا تستهلك كميات هائلة من الطاقة لتكون موجودة، لكي تزرع غذائها ولكي تؤمن السكن واللباس والرغبات لسكّانها. معظم الناس تعتقد أن التطوّر التكنولوجي الذي نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لمسيرة طويلة للحضارة، لكن الحقيقة هي أنه لولا اكتشاف النفط لكنا لا نزال نعيش اليوم في القرون الوسطى. النفط هو الدماء التي تجري في عروق الحضارة ومن دونه لا يوجد عولمة ولا زراعة ولا صناعة ولا جيوش حديثة ولا كهرباء ولا سيارات عصرية ولا شيء تقريباً. النفط يؤمّن بشكل مباشر أكثر من 30 % من الطاقة للحضارة البشرية الحالية (المصدر)، وهو العنصر الأساسي في عمليات استخراج الأنواع الأخرى من الطاقة كالفحم والغاز، بالإضافة إلى كونه العامود الفقري للزراعة (كل الأسمدة والآليات وعمليات التبريد والنقل نفطية)، والنقل والتجارة، واقتصاد المعلومات (كون معظم مكوّنات التكنولوجيا المعلوماتية مصنوعة من المشتقات النفطية أو بواسطة عمليات تعتمد على النفط).

هنالك الكثير من الأسباب الجيولوجية والتقنية والاقتصادية والسياسية التي تجتمع لتشكّل أزمة غير مسبوقة في مصادر الطاقة، عالجناها بشكل مفصّل في كتابنا المذكور آنفاً. ما يهمّنا أن نعرفه الآن هو أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها سياسياً أو اقتصادياً لأنها ذات جذور جيولوجيّة وفيزيائية وهي تؤدي بشكل مباشر إلى تفكك وانهيار الحضارة.

الأزمات المتصاعدة التي يشهدها العالم من شماله إلى جنوبه ليست سوى نتيجة لهذه الأزمة الأساسية التي تؤدي إلى استفحال الصراعات على الموارد والسلطة إلى درجات هائلة. هذا لا يعني أننا سنستيقظ يوماً ما وستكون الحضارة قد اختفت أو تفككت بالكامل، انهيار الحضارات هو عمليّة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. انهيار الحضارات يحصل على مراحل، حيث تدخل الحضارة في فترة طويلة من الانحطاط والتآكل والأزمات قد تستمرّ لعقود أو أكثر قبل أن تنهار بالكامل. انهيار الحضارة الرومانية استغرق مئتي عام تقريباً من ذروتها حتى عشية سقوطها النهائي، ومن المنطقي أن نفترض أن حضارة معقّدة بحجم حضارتنا ستأخذ سنوات طويلة قبل أن يصبح الانهيار الشامل واضحاً للأعين.

النتيجة على المدى البعيد هي بدل أن يكون المستقبل عبارة عن حضارة برّاقة ومدن عالمية عملاقة واستكشاف للنجوم وروبوتات شخصيّة تحضّر طعامنا المنزلي، سيكون أقرب إلى الماضي وقد يكون مزيجاً من القرون الوسطى وأفلام الخيال العلمي، حيث تعيش قلّة في القرن الواحد والعشرين فيما تعيش الأكثرية في القرون المظلمة من دون كهرباء وتكنولوجيا حديثة.

سيأتي أحدهم في هذه النقطة ويقول لكن أسعار النفط تشهد حالياً انخفاضاً كبيراً، وهذا يعني أن كل أطروحة السقوط البطيء للحضارة غير صحيحة ولا يجب أخذها على محمل الجدّ. هذا اعتراض منطقي مئة في المئة، لكن قد يتفاجأ بعض القراء ليعلموا أن سلوك أسعار النفط في السنوات الأخيرة يدلّ في الواقع على صحّة الأطروحة، وسنشرح ذلك في السطور التالية.

هذه الصورة ليست مشهداً من فيلم عن نهاية العالم، بل صورة من مخيم اليرموك في سوريا.

هذه الصورة ليست مشهداً من فيلم عن نهاية العالم، بل صورة من مخيم اليرموك في سوريا.

*

الأزمة الحالية والأزمات المقبلة

كما قلنا سابقاً السقوط البطيء هو عبارة عن دورات من الانهيار المتدرّج تتخلّلها فترات من الاستقرار، وكلّ من دورات الانهيار والاستقرار هذه قد تمتد لعقود، قبل أن تنتهي الحضارة بشكل كامل. هذا ما حصل مع الإمبراطورية الرومانية وامبراطوريات الأزتك والإنكا في أميركا الجنوبية وحتى مع الإمبراطورية العربية.

شهدنا الدورة الأولى من الانهيار في العام 2008 وكانت النتيجة أن العديد من الدول فقدت استقرارها السياسي ودخلت في مرحلة طويلة من الفوضى، وخصوصاً في العالم العربي. في العام 2011 كان هنالك اضطرابات سياسية في مئة دولة حول العالم في وقت متزامن وكان ذلك أكبر دليل على ارتباط الأزمة ببعضها بعضاً.

مرّت ثمانية سنوات تقريباً على الأزمة ولكن الاقتصاد العالمي لم يتعافى بعد، وهذا يعني أن الطلب على الطاقة لم ينمو، بل تراجع في الواقع أكثر من 1 % في العام 2009 على وقع الأزمة[1] ولم يعاود مستويات نموّه السابقة حتى اليوم.

في العام 2007 توقعت وكالة الطاقة العالمية أن يصل الطلب على النفط بحلول العام 2030 إلى 5855 مليون طن سنوياً، لكنها بعد أزمة العام 2008 خفّضت هذا الرقم أكثر من مرّة فعدّلته إلى نحو 5200 في السنوات اللاحقة وفي تقريرها الأخير الصادر عام 2016 تقول أن العالم سيبلغ هذه النسبة من الاستهلاك في العام 2040 لا 2030[2]. بعبارة أخرى، الاقتصاد العالمي لا ينمو بالنسب التي توقّعتها له المؤسسات الرأسمالية وبالنسبة المطلوبة للحفاظ على تطوّر الحضارة الحالية، بل العكس هو الذي يحصل.

اليوم الطلب على النفط هو أقل من الإنتاج كما نرى في الرسم البياني التالي، لأن نموّ الاقتصاد العالمي هو حالياً أقلّ من المتوقّع، لكن الدول المنتجة للنفط لا تزال ترفض تخفيض الإنتاج بسبب الصراع على الحصص في سوق النفط، ما يؤدي إلى استمرار انخفاض الأسعار. انخفاض أسعار النفط هو إذاً مظهر من مظاهر الأزمة الاقتصادية وليس دليلاً على التعافي. بعد أزمة العام 2008 تحوّلت أعداد كبير من الناس إلى فقراء ولاجئين فيما خرج عدد كبير من الشركات وحتى دول بأكملها من الدورة الاقتصادية للرأسمالية بسبب الإفلاس والاضطرابات السياسية، وكل ذلك ساهم في توجيه ضربة كبيرة للنموّ الاقتصادي العالمي.

كمية النفط الموجودة في الأسواق العالمية اليوم تتجاوز الطلب.

كمية النفط الموجودة في الأسواق العالمية اليوم تتجاوز الطلب.

بعد بضعة سنوات من اليوم، الدول العربية التي تشهد حالياً صراعات قد تكون قد دخلت في مرحلة من الاستقرار، لكنها لن تسترجع أبداً مكانتها السابقة وستتمتع بمستوى معيشي أدنى مقارنة مع السابق. في هذا الوقت  الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي تبدو اليوم مستقرة ستكون قد دخلت في مرحلة من الاضطراب وسيكون قد حان دورها للهبوط درجة على سلّم الحضارة والدخول في الصراعات القاسية التي تمثّل سمة أساسية لعصر الانحدار. وهكذا بعد كلّ دورة من الاضطرابات ستستقرّ الدول على مستوى معيشي أدنى حتى يأتي يوم يبدو فيه المجتمع أقرب إلى القرن الثامن عشر منه للقرن الواحد والعشرين. وهذا هو ببساطة السقوط البطيء: أحفادنا سيعيشون في الماضي بعد أن كنّا نحن نعيش في المستقبل.

*

ما العمل إذاً؟

في العام 2012 كتبنا عن الاستجابات الجماعيّة الممكنة لأزمة الطاقة كما عن أساليب الاستعداد الفردي لعالم ما بعد الأزمة، وما كتبناه في ذلك الوقت لا يزال صالحاً تماماً للتعامل مع الأزمة اليوم. كانت الأزمات في العالم العربي في ذلك الوقت لم تستفحل بعد، والأشخاص الذين اتبعوا الأساليب التي تحدّثنا عنها هم اليوم أفضل حالاً بقليل ممّن بلعهم مستنقع الصراعات اليومية.

هنالك أمر أساسي لا أزال غير مقتنع به على الاطلاق ولا أنصح به أبداً هو مطالبة الحكومات بأي شيء؛ معظم الحكومات اليوم هي مؤسسات لا حول ولا قوّة لها وهواجسها هي أمنيّة وسلطويّة لا معيشية أو اقتصادية. لا طائل على الإطلاق إذاً من إضاعة الوقت في محاولات إقناع الحكومات بشيء. من الأجدى صرف الطاقة التي نملكها على بناء مناعة عائلاتنا والأماكن والقرى التي نعيش فيها وجعلها قادرة على العيش بكرامة والاستمرار من دون الاعتماد على ما تقدمّه الحكومات والسلطات من أنظمة اقتصادية وحياتيّة هشّة.

إلى ذلك، وهذا أمر شديد الأهمية، لا وجود لأفراد مستقلين يمكنهم الاستمرار وحدهم في المستقبل؛ الأفراد المستقلين يمكن أن يتواجدوا وأن يزدهروا فقط في ظلّ رخاء الحضارة لكن زمن الرخاء قد انتهى. في زمن الشدّة لا استمرارية للأفراد من دون مجموعة وثيقة ينتمون إليها وتنتمي إليهم؛ كالعائلات والقبائل والعشائر والمجموعات الجغرافية أو الأيدولوجية وما شابه من الجماعات والتنظيمات. هذا هو الواقع، وهذه هي أيضاً نقطة الضعف الأساسية للتحرّريين والعلمانيين في العالم العربي، حيث أنهم لا يزالون أفراداً متفرّقين فيما يشكّل خصومهم الظلاميّون مجموعات منظّمة ويقودون مجتمعات بأكملها. حين تنطفئ الأضواء للأبد، من تعتقدون أنه سينتصر في ظلّ هذه المعادلة؟

السؤال ليس ما إذا كان السقوط البطيء للحضارة يحصل أم لا، فهذا أمر مفروغ منه، السؤال هو ما الذي سنفعله لنستعدّ لعالم ما بعد الحضارة وأي عالم سنبني حين تتوقّف الآلة عن العمل…

 

______________________________________

هوامش:

[1] “World Energy Statistics – Energy Supply & Demand – Enerdata”.

[2]  يمكن تحميل كافة تقارير الوكالة العالمية للطاقة على موقع: http://www.worldenergyoutlook.org/

 

5 comments

  1. غير معروف · مارس 20

    لو يقتنع الإنسان بتخفيف أطماعه أو إستبدالها وتغيير إتجاهها

  2. braa470 · مارس 20

    قام بإعادة تدوين هذه على Braa Notes وأضاف التعليق:
    مستقبل مجهول

  3. علي · مارس 29

    مقال رائع وجميل كالعاده اخ طوني .

    في فلم اسمهinto the wild
    اذا سامع عنه فلم جميل ورائع
    اتمنى تكتب عنه او تعطينا رايه فيك اخ طوني

  4. احمد · مارس 29

    مرحبا سيد طوني. انا لا اجد اي مبرر لاستخدام المال في العالم في سبيل الحصول على الحاجات .لماذا علينا ان ندفع الاوراق الملونة لكي نعيش ..هل ترى معي النظام الرأسمالي الغبي الذي اوجده البشر هل يوجد اغبى من هذا النظام في الكون .
    *واريد منك طلي وهو اعطائي رابط لتحميل كتاب الأزمة الأخيرة.
    *وأخيرًا لقد قرأت لك مقال تنتقد فيه حركة زايتجايست وانا اجد هذه الحركة تطالب بنظام اقتصادي جديد مبني على الموارد وليس المال .اين وجدت العيب في هذه الحركة .وهل لديك حلول شخصية وبديلة للرأسمالية .
    مع تحياتي لك وتقبل مني فائق التقدير والأحترام.

  5. غير معروف · أبريل 5

    السلام عليكم
    رائع أستاذ طوني صبغيني رائع
    مدونتك قلبت أفكاري ونظرتي السابقة للحياة رأسا على عقب
    كل الشكر لمجهوداتك

التعليقات مغلقة.