لماذا ظاهرة بوكمون جو ليست جذر كل الشرور (بعكس ما يخبركم إياه المناضلون على تويتر)

...

*

طوني صغبيني

*

خلال الفترة الماضية شهدنا أمراً نادراً ما رأيناه خلال السنوات الماضية: الناشطون الليبراليون واليساريون والإسلاميّون وجدوا عدواً مشتركاً لهم وحّد صفوفهم في معركة تمتد في كافة بقاع الكوكب، في كل القرى والمدن والشوارع التي انتشرت فيها فجأة جحافل… البوكمون.

لوهلة ، بدا لمن تابع ردّة فعل اليساريين والإسلاميين على شبكات التواصل الاجتماعي أن البوكمون هو جذر جميع الشرور التي تضرب مجتمعاتنا، ومثال صارخ عن الانحطاط الهائل الذي يضرب جذور حضارتنا الأصيلة. من  فتاوى التحريم التي قالت أن مخلوقات البوكمون الشريرة تعمل ليل نهار على إفساد العقائد الدينية وإلهاء الناس عن الصلاة، إلى مئات ستاتوسات الفايسبوك التي تشجب التهاء الناس بلعبة، وقف الإسلاميون والليبراليون واليساريون جنباً إلى جنب في معركتهم التاريخية ضد جيوش البوكمون الرهيبة.

لعبة البوكمون هي من دون شك ظاهرة مؤقتة، لكن هذه الظاهرة كشفت عن أشياء كثيرة في واقعنا الاجتماعي، كما أن ردّة الفعل الرافضة لهذه الظاهرة والمشتركة بين تيارات أيدولوجية متناقضة تخبرنا أيضاً الكثير. إن كنتم تابعتم الانفجار الغريب في الثقافة الشعبية الذي سبّبته لعبة بوكمون جو، تفضّلوا علينا بالقليل من الصبر لكي نشرح لماذا نعتقد أن ردّة الفعل السلبية تجاه هذه الظاهرة هي أيضاً ظاهرة تستحق الحديث عنها.

*

لماذا يكره الإسلاميون واليساريون كل ما هو ممتع في الحياة

جميعنا نعلم لماذا رفض الإسلاميون لعبة البوكمون، فبالنسبة لهم كل ما يجب علينا أن نقوم به في الحياة هو أن نصلّي ونسجد ونتلو القرآن ونتدخّل في شؤون الآخرين بحجّة أن الله أعطانا حقيقة لا أحد يفهمها سوانا. الإسلاميون بعتقدون أن الحياة كلها عبارة عن عبودية لإله بعيد في السماء وخضوع أعمى للذين يدّعون التحدّث باسمه على الأرض، وكل ما يلهي العبد عن عبوديته هو بالنسبة لهم مرفوض. السؤال الأهم هو لماذا رفض اليساريون والناشطون الليبراليون هذه الظاهرة بنفس حرارة الإسلاميين؟

خلال السنوات الأخيرة، برز ميل قوي لدى الناشطين اليساريين والليبراليين على اعتبار أنفسهم أعلى شأناً وثقافة من بقية الناس. الكلمات الفخمة التي تعلّموها على تمبلر وتويتر والقبعات المضحكة التي يرتديها بعضهم ربما تجعلهم يعتقدون أنهم صنف آخر من البشر. هنالك العديد من المثقفين و”الناشطين” التغييرين ينظرون إلى الناس نظرة دونية ويرون كل ما يقوم به الآخرون شيئاً سخيفاً وجديراً بالشجب والسخرية. هذا لا يعني أن الثقافة السائدة في مجتمعنا هي سليمة ورائعة، فهي ثقافة قائمة في العديد من أوجهها على آلام الناس ومعاناتهم، لكن هنالك فارق شاسع بين رفض منظومة من المؤسسات والأفكار والقائمين عليها وبين الاستعلاء على الناس الذين يعيشون – كما هؤلاء الناشطين – تحت رحمة هذه المنظومة.

حين انتقدت موقع فايسبوك في سلسلة “العيش كصورة”، لم يكن ذلك على أساس أن الناس أغبياء وسخفاء، بل على أساس أن مواقع التواصل الاجتماعي تكتسب حضورها وسطوتها من تمزّق حياتنا الاجتماعية، وبدل أن تكون حلّاً لهذه الأزمة تساهم في تمزيقها أكثر فيما تبني ثقافة من الزيف والمظاهر الفارغة، واقترحت تخفيف حضور هذه المواقع في حياتنا إلى الحد الأدنى واستثمار الوقت في بناء علاقات حقيقية مع الآخرين. هنالك فارق كبير بين الأسس التي يقوم عليها طرح كهذا، وبين انتقاد شيء على أساس أننا أذكى وأرفع شأناً من بقية الناس. البعض قد يقول أن بوكمون جو له تأثيرات أو دلالات سلبية أيضاً وسأعالج هذه النقطة في فقرة لاحقة.

هنالك سبب آخر أيضاً لردّة الفعل هذه في أوساط اليساريين والليبراليين، وهي أنهم كالإسلاميين، طوّروا مع الوقت اعتقادين مركزيين، أحدهما صريح والآخر مقنّع. الاعتقاد الأوّل يقول بأن كل جهد لا ينصبّ في إطار النضال والتغيير هو مضيعة للوقت ويجب شجبه – والنتيجة هي نظرة متشككة ورافضة لكل ما هو شعبي ولكل ما هو ممتع. من المتوقع على الناشط أن يضحّي بنفسه وبرفاهيته باستمرار في سبيل الجموع الجاهلة التي لا تدرك مصلحتها، وفي ذلك تكرار مثير للأديان التوحيدية القائمة على مركزية المخلّصين والرسل.

الاعتقاد الثاني الذي يمكن أن يقف خلف رفض المثقفين والناشطين لظاهرة بوكمون جو هو اعتقاد ضمني وغير مُعبّر عنه بوضوح، وخاصة أنه يتعارض إلى حدّ ما مع المبادىء المعلنة للتيارات التغييرية وخاصة اليسار. هذا الاعتقاد هو الإيمان بالانتاجية – أي أن الهدف الرئيسي للحياة اليومية للإنسان هو الإنتاج.

في قلب ردّة الفعل الرافضة لظاهرة بوكمون جو هنالك رفض عام لفكرة اللهو – كأن الناس يجب أن تكون جدّية طوال الوقت وأن تركّز على وظائفها وأعمالها فقط من دون أي إلهاءات. قد يبدو لوهلة كأن أرباب العمل ومؤسسات الرأسمالية دفعت مبالغ طائلة للمثقفين والناشطين لشجب الإلهاءات وتشجيع العمّال على تغذية الماكينة الرأسمالية بانتاجهم وعرق جبينهم من دون أي ابتسامة خلال النهار. الخلفيات الأيدولوجية والثقافية التي تنطلق منها مواقف الإسلاميين وبعض المثقفين واليساريين والليبراليين تجاه ظاهرة كبوكمون جو تعكس إذاً اشتراكهم برفض اللهو واشتراكهم بالتعلّق بالعبودية – العبودية لكلمات في كتاب بالنسبة للطرف الأوّل، والعبودية لفكرة الانتاجية والنضال اليومي للأطراف الأخرى.

البوكمون كما يبدو للإسلاميين

البوكمون كما يبدو للإسلاميين

*

ماذا تخبرنا ظاهرة بوكمون جو عن مجتمعنا؟

قد يعتقد البعض أنني أدافع عن لعبة البوكمون جو، لكن الحقيقة هي أنني اتفق على أنها تعبّر عن الكثير من الدلالات الثقافية المقلقة في مجتمعاتنا شرقاً وغرباً. الفارق هو أنني لا اعتبر أن اللعبة هي السبب بل النتيجة: إنها مجرّد وسيلة سلّطت الضوء على عادات تكنولوجية واجتماعية اكتسبناها خلال السنوات القليلة الماضية.

لا اعتقد أيضاً أن اللعبة اختراع شرير ما، ولا هي مؤامرة لتحديد مواقع المستخدمين. لعبة البوكمون جو ليست أوّل لعبة من نوعها والحديث عن ألعاب الواقع المعزّز (استخدام إضافات افتراضية في بيئة حقيقية) يعود عقوداً إلى الوراء، ومن المرجح أن يشهد استخداماً متزايداً خلال السنوات المقبلة. أما تحديد مواقع المستخدمين في الوقت الحقيقي فهو آلية تلقائية في كل الهواتف الحديثة تقريباً (حتى غير الذكية منها) ولا يحتاج للعبة لتقوم الشركات وأجهزة الاستخبارات بتفعيله.

هنالك من دون شكّ تأثيرات إيجابية عدّة لهذه اللعبة تم توثيقها في الإعلام أكثر من مرّة، كتشجيع الناس على الحركة والمشي والالتقاء بناس جدد ومساعدة البعض في مكافحة الاكتئاب وحتى المساعدة في تخفيف حدّة مرض التوحّد لدى بعض الأطفال المصابين به. هنالك أيضاً العديد من النتائج والأحداث السلبية المرتبطة ببوكيمون جو ، كوقوع الناس في الحفر والارتطام بالأشياء والتعرض للسرقة ولحوادث بالسيارة ولإطلاق النار فيما كانوا مأخوذين بالكامل بشاشة هواتفهم.

هل هذا يجعل ظاهرة لعبة البوكمون جو سلبية إذاً أو إيجابية؟ الجواب لا يهم كثيراً في الحقيقة، ما يهم هو أنها كشفت كم أننا أصبحنا مرتبطين بهواتفنا لدرجة أننا نلحقها حتى الموت.

النتائج الإيجابية والسلبية على السواء تُظهر سطوة الهواتف الذكية على حياتنا اليومية. نحن نحتاج لهذه الشاشة الصغيرة لكي تشجعنا على المشي والالتقاء بالآخرين وبتنا نتبع ما تقوله لنا طوال الوقت متناسين بالكامل وجود عالم حقيقي من حولنا. نحتاج اليوم لهواتفنا الذكية لتوقظنا ولتنظّم رياضتنا وحميتنا الغذائية وعلاقاتنا الاجتماعية وحياتنا المهنية والآن تأتي بوكمون جو لتذكرنا بأننا نحتاج لهواتفنا أيضاً لكي نلهو ونرفه عن أنفسنا ونمشي في شوارع مدينتنا.

مجدداً، هذا لا يعني أن اللعبة شرّيرة، لكن اعتمادنا الحياتي الهائل على هواتفنا الذكية هو ظاهرة مقلقة جداً في عصر يتجه نحو العصور المظلمة ونحو الحاجة للاعتماد أكثر على الذات بدل الاعتماد على التكنولوجيا الالكترونية.

*

البوكمون اللطيف خلال ممارسته للشرور

البوكمون اللطيف خلال ممارسته للشرور

هل اللهو والمتعة هي أمور شريرة؟

يبقى هنالك أمر أخير أودّ معالجته وهو الجانب المتعلّق بانتقاد اللعبة على أساس أنها إلهاء، وهو أمر لا أفهمه في الحقيقة. الانتقاد هذا قد ينطلق من القول أن الهدف من الترفيه الاستهلاكي في ظلّ الرأسمالية هو إلهاء الناس عن مشاكلها وأوجاعها، وهذا ما أوافق عليه تماماً، لكن هذا الأمر تحديداً يجب أن يدفعنا لنفهم ظاهرة كبوكيمون جو على أساس أنها نتيجة – بدل توجيه أصابع الاتهام إلى لعبة ولوم الناس الذين يستخدمونها.

نحن نعيش في واقع صعب جداً: أبناء جيلنا يعيشون على حافة العالم بشكل دائم – على حافة البطالة وعلى حافة التشرّد وعلى حافة الوحدة الدائمة ، من دون قدرة على تحقيق استقرارنا المادي والمهني أو امتلاك منزل أو تأسيس عائلة في منظومة يبدو أنها تأخذ منّا كل شيء من دون أن تعطينا سوى حساب على فايسبوك وشهادة جامعية ليست أكثر من حبر على ورق.

من الطبيعي أن يكون الهرب إلى الواقع الافتراضي هو جزء من ردود أفعالنا، كالتوجّه نحو ألعاب الفيديو والمسلسلات ومواقع التواصل الاجتماعي التي يمكننا عبرها عيش الحياة التي وعدتنا الحضارة بها. الحضارة الحالية وعدتنا بوظيفة مريحة حين نتخرج من الجامعة، وبحياة مثيرة وعائلات سعيدة وشجّعتنا على وضع الكثير من الأحلام على صفحات دفاترنا حين كنّا صغاراً. لم يطل الأمر بنا حتى اكتشفنا أن كل ذلك كان كذبة كبيرة. تخرّجنا من الجامعات ووجدنا أنه ليس هنالك من وظائف لنا، وفكّرنا بشراء منازل ووجدنا أن ذلك مستحيل من دون السطو على بنك، وبحثنا عن شريك في الحياة ولم نجده في ظلّ تمزّق اجتماعي وثقافي تام. في هذا الوقت، أتى الواقع الافتراضي ليقول لنا أنه يمكننا تحقيق كل تلك الأمور – افتراضياً – وتذوّق القليل من السعادة التي نفتقدها.

لا ألوم البعض إن كانوا يتجهون إلى الاستخدام المفرط لوسائل الترفيه – ومنها البوكمون جو – لأنها في أحيان كثيرة الأمر الأكثر إثارة في حياتنا المعتمة والرتيبة. الترفيه واللهو هو جزء أساسي من الطبيعة البشرية، ومن الخطأ رفض فكرة اللهو (من لا يلهو ويلعب ويفرح ليس حيّاً!). المشكلة هي أن ميلنا البشري الطبيعي للفرح واللهو يُستخدم ضدنا لإبقاءنا في نفس الظروف الرديئة.

من كان يريد أن يغضب على ظاهرة كبوكمون جو، لا تغضب على الناس التي تمارس أكثر الأمور جمالاً في إنسانيتها – أي ممارسة الفرح واللعب – من الأجدى أن يغضب على المنظومة الاجتماعية-السياسية القائمة التي جعلت حياتنا رتيبة ومرهقة لدرجة أن إيجاد كائن بوكموني في حديقتنا يشكّل حدثاً رائعاً في يومنا. المشكلة ليست في البوكمون الكرتونيين اللطيفين الذين نعثر عليهم عبر هواتفنا، بل في البوكيمون الذين يرتدون ربطات عنق وبذلات عسكرية وعمامات على رؤوسهم ويطبقون الخناق كلّ يوم على حياتنا أكثر فأكثر – هؤلاء هم البوكمون الذين يجب أن نلعب ضدّهم.

2 comments

  1. علي · أغسطس 21

    مقال رائع كا العاده اخ طوني . الاسلاميين لم يتركوا شيئا الا وحشروا انفهم فيه . العتب ليس عليهم انما على شعبنا الشرق اوسطي المخدر

  2. تنبيه: اشتريت هاتفاً ذكياً… وقد يكون ذلك غلطة العام | نينار

التعليقات مغلقة.