اشتريت هاتفاً ذكياً… وقد يكون ذلك غلطة العام

هكذا أشعر في العالم اليوم. (الصورة من عمل جان جوليان على هذا الرابط http://www.boredpanda.com/smart-phone-addiction-technology-modern-world-jean-jullien/)

هكذا أشعر في العالم اليوم. (الصورة من عمل جان جوليان على الرابط في نهاية المقال)

*

طوني صغبيني

*

من تابع مدوّنتي منذ البداية يعلم أنني كنت حتى الشهر الماضي أرفض شراء هاتف ذكي، وشرحت أسبابي بشكل مسهب في تدوينة بعنوان “لماذا لا امتلك هاتف ذكي“. اليوم، أصبحت أكثر اقتناعاً بالأسباب التي ذكرتها في ذلك المقال، بل يمكنني أن أضيف عليها أسباباً جديدة، إذ إنني للأسف اضطررت على اقتناء هاتف ذكي مؤخراً – وذلك قد يكون الغلطة الكبرى لهذا العام.

*

رجل بدائي في عصر تكنولوجي

في الماضي كنت أحبّ هاتفي “الغبي” وفيما كنت أشاهد أصدقائي والناس عموماً يغرقون في هواتفهم ويدمنون شاشاتهم الصغيرة ويهملون بشكل متزايد العالم من حولهم، بدأ يتطوّر لدي نوع من النقمة تجاه الهواتف الذكية. نعم أعلم أن الهواتف الذكية غير مسؤولة عن هروبنا الذهني الجماعي من الواقع (الهروب من الواقع هو ردّة فعل طبيعية أحياناً على واقع لا يطاق)، لكن حين تبدأ أنت كإنسان بالتنافس مع الهواتف الذكية لتحصل على انتباه وتفاعل الناس من حولك من الصعب ألا تلعن تلك الآلة الصغيرة.

وجودي على الجهة الأخرى من التكنولوجيا – أي الشخص الوحيد في دبي الذي لا يقتني هاتف ذكي – جعلني أشعر بأنني رجل كهف ، لكنّه أيضاً أتاح لي رؤية الأمور بشكل أوضح.

الناس تنظر في هواتفها طوال الوقت وفي كلّ الأماكن: في المصعد وفي المترو وفي السيارة وفي العمل وفي صفوف الدراسة وفي المنزل. كنت أجد نفسي اتساءل دوماً، متى تتفاعلون مع العالم ومع الناس قربكم إن كنتم تحدّقون بهذه الشاشة طوال الوقت؟ هل لديكم اهتمامات وهوايات أم أن الهاتف استحوذ على كلّ شيء فيكم وعلى كلّ ثانية من وقتكم الحرّ؟

خلال الجلسات الاجتماعية ومع الأصدقاء، لاحظت أن الناس باتت “تنفصل” بشكل متزايد عن الجلسة لتتحقّق من هاتفها وتتفاعل معه أو لتأخذ صورة وما شابه، وبعضهم ينهمكون كلياً بالهاتف لدرجة أنهم يصبحون غائبين عن المكان وعن اللحظة تماماً. أما زملاء العمل، فهم لا يتركون العمل أبداً، حيث أن أعباء الوظيفة باتت تجلس الآن في جيبتهم، تناديهم باستمرار وتطالب بالاستحواذ على وقتهم وانتباههم بالكامل داخل وخارج الدوام.

بالنسبة لرجل كهف مثلي، مشاهدة البشر العصريين هو كمشاهدة مخلوقات فضائية آتية من كوكب آخر، لا أفهمهم ولا يفهمونني.

*

هل أصبح الهاتف الذكي ضرورة؟

خلال الفترة الأخيرة أصبح من الصعب جداً في دبي التواصل مع الناس من دون تطبيقات الهاتف الذكي؛ فحين يرسل لي أحدهم عنواناً يرسلونه على خريطة لا يستطيع هاتفي الغبي قراءتها، وحين كنت أبحث عن سيارة أو حتى عامل صيانة كان الجميع يطلب مني التواصل معهم عبر الواتساب الذي لا يستطيع هاتفي تشغيله. بعض المطاعم باتت تتوقع مني أن استخدم تطبيقها الهاتفي لطلب الطعام وحتى النادي الذي اتمرّن فيه يرسل برامج التمارين على الهاتف عبر ملف لا يستطيع هاتفي الغبي أن يفهمه.

الأمر الطريف هو أنه هنالك فتاة التقيت بها مؤخراً اعتقدت أنني متزوج سراً واستخدم الهاتف الغبي لإخفاء خيانتي على زوجتي. حتى اليوم، اعتقد أنها لا تزال لا تفهم حقاً لماذا لم أكن متوافراً على واتساب وشبكات التواصل الاجتماعي، ولماذا أنا غير متاح للأحاديث الالكترونية الطويلة في معظم الأيام. لاحظت أيضاً أنها ليست وحيدة، العديد من الصديقات اللواتي صدف أن تحدّثت معهنّ بهذا الأمر قالوا أنه فعلاً من الأسهل عليهنّ أن يصدّقن أنني زوج يخون امرأته من أن يصدّقن أنني لا أقتني هاتفي ذكياً.

لا أقول أن الهاتف الذكي أصبح ضرورة لأنني أردت خوض أحاديث ليليّة مشوّقة مع موظفة الاستقبال الفاتنة في النادي الرياضي (حسناً قد يكون ذلك أحد الأسباب)، لكن المشكلة الحقيقية بدأت حين أصبح الهاتف نوعاً من الضرورة في مجال عملي. مجال عملي، للمفارقة، هو المحتوى الرقمي، وهو مجال تكنولوجي تماماً وكل عامل في المجال يمتلك ترسانة شخصية كبيرة من الهواتف والأدوات الرقمية. عملي هو تطوير وتقديم محتوى الكتروني عبر مختلف الوسائل، ولا يمكنني القيام بذلك إن لم أكن أعرف المحتوى الالكتروني السائد وتطبيقاته المختلفة وهو أصبح بمعظمه يُصنع للهاتف ويُستهلك عبر الهاتف. إلى ذلك، هنالك العديد من الاجتماعات والنشاطات في الشركة يتم تنسيقها عبر تطبيقات حصرية للهاتف.

خلال الفترة الأخيرة كنت بدأت بالتغيب عن بعض الاجتماعات والرسائل المهمة بسبب عدم امتلاكي لهاتف ذكي. معظم من حولي، وخصوصاً في المستويات الإدراية، لم يصدّقوا أن عدم امتلاكي لهاتف ذكي هو خيار شخصي، بل اعتقدوا أن الأمر هو رفض للعمل والمسؤوليات المترتبة عليه، وحتى أن أحد الزملاء عرض أن يقرضني بعض المال لشراء هاتف لأنه اعتقد أن المشكلة مادية.

الواقع التكنولوجي هذا وضعني أمام خيارين: إما الحفاظ على هاتفي الغبي والمخاطرة بمجال عملي، إما اقتناء هاتف ذكي. بما أنني لست مليونيراً واحتاج حالياً للوظيفة، اقتناء الهاتف الذكي كان الحلّ الأسهل.

...

*

وقد يكون ذلك أكبر غلطة لهذا العام

منذ اقتنائي لهاتف ذكي استطيع أن أتفهم لماذا تسحر هذه القطعة الصغيرة ملايين الناس في تعويذتها السحرية. هي تسهّل التواصل بشكل غير مسبوق وتقدّم يومياً عشرات التطبيقات المفيدة في العمل والترفيه وكل مجالات الحياة.

رغم ذلك، ما يجعل الهاتف الذكي آلة ساحرة هو بالضبط ما يجعلني اتخذ موقفاً نقدياً تجاهه: الناس تعتمد على هاتفها لتضحك ولترفّه عن نفسها ولتتواصل مع الآخرين ولتحفظ معلوماتها الشخصية ولتنظّم نومها ولتختار طعامها ولكلّ شيء آخر تقريباً. لا أبالغ بالقول أنني رأيت شخصياً عدداً هائلاً من الرجال والنساء البالغين الذين لا يستطيعون أن يعملوا أو يعيشوا أو ينظمّوا حياتهم من دون هواتفهم. لقد رأيت أشخاصاً ينهارون عاطفياً حين يضيع هاتفهم الذكي أو يكتئبون حين تنتهي البطارية، وهذا لا يفاجئني، لقد أعطوه الكثير من السلطة على حياتهم وها هم يتصرّفون كالأطفال الذي يضيّعون أهلهم حين يضيع الهاتف منهم. أي بشر سنكون إن كنا لا نعرف كيف نعيش من دون قطعة الكترونية في يدنا طوال الوقت؟

إلى ذلك، يبدو أن شعب الهاتف الذكي لا ينام ولا يرتاح وهو متوافر دائماً على النت كافة أيام الأسبوع طوال العام. هذا الشعب لا يؤمن أنه هنالك بشر ينامون ويرتاحون وقد يقضون الكثير من الوقت من دون الاتصال بالانترنت (الرعب!). بعض مدمني الهاتف الذكي يتوقّعون أنك متوافر دائماً للردّ على رسائلهم أينما كنت وفي أي وقت كان، وإلا سيستاؤون منك.

الهاتف الذكي هو أيضاً معادي للكتابة كونه جهاز مصمّم ليتطفّل عليك باستمرار ويمنعك من التفكير بهدوء. هذه المشكلة لا أصادفها شخصياً كثيراً لأنني لا أفعّل الانترنت على الهاتف لأوقات طويلة، ولا أضع عليه سوى التطبيقات الضرورية. الأمر هو أنني أشعر أنه علي أن أفرض الهدوء و”العزلة” فرضاً عبر إطفاء الانترنت وما شابه بعد أن كانت هذه الأمور تأتي بشكل طبيعي. إلى ذلك، إطفاء الانترنت عن الهاتف يعرّضك أيضاً للمساءلة من قبل الجميع، العائلة والأصدقاء وتلك الفتاة التي كانت تعتقد أنني متزوج وتحتاج لأمر إضافي واحد لإثبات ذلك.

*

...

هل هُزمت كرجل كهف؟

أنا واثق أن العديد من الأصدقاء والقرّاء يعتقدون أن اعتراضي على الهواتف الذكية ونقدي للتكنولوجيا الحديثة هو أمر لا نفع منه على الإطلاق ومتأكد أنه يبدو موقفاً سخيفاً بالنسبة لغالبية المجتمع السائد. الموقف المناهض للتكنولوجيا لن يؤثر على السير المحموم للآلة ولن يؤدي إلى وقف التقدم التكنولوجي ، وهو يجعلني أظهر بمظهر البدائيين والكهول الذين اعترضوا في الماضي على أمور كالراديو والتلفزيون والحاسوب. رغم ذلك، السير الحالي للأحداث يقنعني أكثر من أي وقت مضى بضرورة فك ارتباطنا واعتمادنا على التكنولوجيا الصناعية.

كما نعلم، التكنولوجيا الحالية مرتبطة بوفرة الطاقة وببنية اقتصادية غير عادلة، وفيما ينتهي عصر الطاقة الرخيصة، يوشك عصر التكنولوجيا المعقّدة أيضاً على الانتهاء معه. لذلك، فيما ننتظر اليوم الذي تنطفأ فيه شاشات هاتفنا الذكي من دون أن تعود إلى الحياة، تحضير أنفسنا للعيش مع العالم من دون تكنولوجيا يصبح أمراً يعني الفارق بين الحياة والموت.

ما نقصده هو أنه علينا أن نكتسب المهارات التي تبني استقلاليتنا ومناعتنا في عالم قد تكون فيه الكهرباء والهواتف الذكية أموراً من الماضي؛ علينا أن نعرف زراعة طعامنا بأنفسنا وبناء مجتمعاتنا بأيادينا والتفاعل مع أحبائنا وتنظيم عيشنا من دون أن نحتاج لآلة لتقوم بذلك عنّا. علينا الانفكاك عن السيستيم.

أخشى أن الشباب الذين ينشأون الآن معتمدين بالكامل على هاتفهم الذكي لينظّم لهم حياتهم لن يكونوا مستعدّين ومؤهّلين للتعامل مع عالم الغد – لا لأنه سيكون هنالك تكنولوجيا أكثر تطوراً من الهاتف الذكي بل العكس تماماً. فيما تستعر الصراعات السياسية وتنهار الاقتصادات الوطنية وتدخل دولة بعد دولة إلى عصر الظلمات، من تعتقدون سيكون أكثر تكيّفاً مع العالم الجديد، الشخص العصري الذي يستخدم الهاتف الذكي لينظم له وجباته والذي تتمثل مهاراته بوضع بوستات على فايسبوك أم رجل الكهف الذي يعرف كيف يبني ويزرع ويقاتل؟

______________

(مصدر الصور)

15 comments

  1. contrapolitica · أغسطس 30

    Excellent article, in all fairness, you should give yourself credit for lasting so long!

    • Adon · أغسطس 31

      haha maybe, good to hear from you again btw!

  2. علي · أغسطس 30

    انا كنت مدمن بالهاتف الذكي وكان لها تاثير سلبي على حياتي بشكل كبي. لكني اجبرت نفسي وبعت الهاتف . و اشتريت هاتف فقط الاتصال والرسائل الضروريه . تخيل حياتي تغيرت الافضل اصبحت اقرا كتب وحتى اختمها ببعض المرات واصبحت انهض مبكرا في الصباح واصبحت لدي الرغبه للخروج للخارج . بعد ان كنت اقضي اغلب اوقاتي في البيت . لكن other hand بعض الامور الضروريه في الهاتف فقدتها كا مترجم جوجل والخرائط ومشغل الموسيقى وتطبيق uber و تطبيقات التواصل كا viper التي احتاجها للتواصل مع اهلي في الخارج . والهاتف خاصه في امريكا البلد الذي اعيش فيه ضروره ملحه . بعد ذلك ضرخت الامر الواقع واشتريت هاتف ذكي اخر لكن بموصفات اقل . وقمت بتفعيل وضع chid mode . ,i وهو برنامج يتيح لك التحكم بالهاتف وتخصيص قائمه للبرنامج التي تحتاجها فقط . مما يجعلك تلقائيا تجعل هاتفك فقط لامور الضروريه التي تحتاجها فقط ةالتي ذكرت بعض منها . الان انا مرتاح واحس اليوم يمر ببطئ وتسطيع الانجاز الكثير من الامور ,

    • Adon · أغسطس 31

      شكراً على مشاركة تجربتك علي، وفعلاً الوقت مع الهاتف الذكي يبدو أنه يمر بشكل أسرع بشكل عام

  3. molta7ad · أغسطس 30

    أشعر بالأسف من أجلك طوني😦
    نهاية حزينة لرجل الكهف هههه لكنها متوقعَة
    بالنسبة لي أدركت أنني أمام خيار وحيد وهو الحد من استخدامها قدر الاستطاعَة، والآن أنت تثبت لي أن خيار الاستغناء يكاد يكون مستحيلًا😦

    • Adon · أغسطس 31

      ههههه شكراً على تعاطفك اللطيف صديقتي
      صحيح يبدو أن خيار الاستغناء هو شبه مستحيل بالنسبة للغالبية الآن

  4. Mustafa Al-Faris · أغسطس 30

    مقال جميل
    تحطم هاتفي الايفون قبل فترة و في الايام القليلة التالية شعرت بالراحة و قررت ان اتحدى نفسي و العالم بان استمر بهاتف صغير يستمر شحنه لأيام :)… وبعد شهر واحد اعلنت استسلامي و رفعت الراية البيضاء لان الحياة اصبحت مستحيلة بدون هاتف ذكي و الحياة تتطلب هذا الجهاز بشدة، الخريطة و التواصل و متابعة البريد المهم و قراءة الاخبار و برامج العمل ووو

    • Adon · أغسطس 31

      شكراً على مشاركة تجربتك مصطفى. يبدو انني رفعت الراية البيضاء مؤقتاً أيضاً

  5. Hanibaael · أغسطس 31

    كل ما التقي بحدا بيستغرب انو بعدني بستخدم النوكيا القديم، وبقلي انو كيف قادر عيش بلا هاتف ذكي وبلا واتساب، وبعد دقيقة بقلي ذات الشخص “بتعرف. نيالك انو ما عندك واتساب”.

    اكتر ناس بتخليني ما اشتري هاتف ذكي هني هول الناس. وبتمنى انو اوصل لهيدي المرحلة واضطر جيب هيدي الآلة.

    عقبال ما تتخلص من الشغل مان، وترجع للنوكيا حبيب القلب.

    • Adon · أغسطس 31

      يلا قربت مان

  6. غير معروف · سبتمبر 2

    سوووووبر لاااايك

  7. mostfing · سبتمبر 3

    نتمني العودة لمدونة الاسكندرية 415 لقد تعرفت عليك من خلالها ولقد كنت تشعر مواضيع جميلة للغاية ارجو منك ان تعود

    • Adon · سبتمبر 4

      شكراً لك عزيزي، وبالفعل انا افتقد أيضاً للنشر في تلك المدونة لأن مواضيعها تهمني أكثر لكن للأسف لا يوجد ما يكفي من الوقت الآن للنشر هنا وهناك. آمل أن أعود إليها قريباً ما أن يصبح لدي وقت حرّ أكثر
      سلامي لك

  8. mostfing · سبتمبر 3

    وانا اقوم بمشاركة مواضيع المدونة علي صفحتي علي الفاسيبوك كي تصل لاكبر عدد من الناس

  9. Montaser Awad · سبتمبر 19

    اعجبني المقال كثيرا لازلت امقت الهاتف الذكي و ارتباط الناس به كأنه الفردوس لازلت متمسكا بجهازي الغبي اريد ان اكون “رجل كهف” بتعبيرك اريد ان اعيش لحظاتي حقيقية خالية من العالم الرقمي

التعليقات مغلقة.