العادات السيئة التي نكتسبها في الغربة – وخصوصاً في دبي

*

طوني صغبيني

*

حين زرت دبي في العام 2012، شاهدت باستغراب فيما كان صديق لي يطلب دليفري لكيس “تشيبس” من البقالة في نفس البناية التي يقطن فيها، وفيما كان هذا الصديق العزيز يقرمش نوعه المفضل من البطاطاس، فكّرت ما إذا كان سيتّصل بشخص آخر ليأتي ويغسل له يداه فيما يبقى هو على الكنبة. الآن بعد قضاء ثلاثة أعوام في دبي لاحظت أنها مجرّد عادة واحدة من بين عشرات العادات الغربية التي يبدو أننا نكتسبها في الغربة وخصوصاً في مكان مثل دبي، حيث تشكّل أمور مثل الحرّ الشديد والمال الجديد والملل والاكتئاب أهم محرّكات الحياة. طبعاً، لست بريئاً شخصياً من بعض هذه العادات، وهي تفرض علي أن أكون أكثر يقظة لكي امنع نفسي من اكتسابها أو الانتباه إليها. هذه بعضها:

  • الكسل: إن كنت من الطبقة الوسطى وما فوق، هنالك ناس في كلّ مكان يقومون بتوصيل أغراضك إلى المنزل ويفتحون لك الأبواب ويحضّرون لك الطعام ويغسلون سيارتك ويغيّرون حفاضات أبنائك. هذا لا يعني أن كل الناس هنا تعيش بهذه الطريقة، لكن من السهل جداً الانزلاق إلى أسلوب عيش يقوم فيه الآخرين بكلّ شيء نيابة عنك.
  • الهوس بالتقدم المهني. ربّما كل مركز اقتصادي عالمي كدبي يجذب الناس الأكثر هوساً بالعمل والتقدم المهني، لكن إن كنت أريد أن اختار أسوأ أمر على الإطلاق في العيش هنا فهو الشعور أنني محاط بالكامل بالناس المهووسين بعملهم ومنصبهم لدرجة أنني أصبحت أشكّ فيما إذا كنت أعيش في جحيم شخصي بعد موتي من دون أن أعرف ذلك. كل الأحاديث هنا هي عن العمل والمهنة والرواتب والمال، وكل العلاقات مبنية على تحقيق تقدّم في العمل والمهنة والراتب والمال، وحتى النشاطات التي يقوم بها معظم الناس خارج العمل مرتبطة بتحقيق تقدم في العمل والمهنة والراتب والمال. الهوية الشخصية لعدد كبير من الناس يبدو أيضاً أنها مرتبطة بعملهم ولا وجود لهم أو هوية على الإطلاق خارج مهنتهم. بما أن الأعمال والمهن والرواتب والأموال هي أمور تتضمّن عادة كميات هائلة من التمثيل وتقبيل المؤخرات والهراء العام، هذا يعني أن الناس تصبح مع الوقت كتلة هائلة من الهراء ، وأنت محاط بها طوال الوقت.
  • رمي المال على المشاكل. كلنا لدينا معضلات ومشاكل في الحياة، لكن الغربة بما تتضمنّه من وحدة إضافية تعني أننا سنكون وحيدين في وجه مشاكلنا  معظم الأحيان، وحين يمتزج ذلك مع راتب جيد، تكون النتيجة أننا نكتسب وهم امكانيّة حلّ المشاكل بالمال. تعاني من السمنة؟ قم بعمليّة جراحية أو ادفع المال على اشتراك في نادٍ فخم مع دروس خصوصية من المدرّب لتحاول حلّ المشكلة – لكن إيّاك أن تغيّر نمط حياتك (لأن ذلك يتطلب القيام بجهد ما). تعاني من الملل؟ احجز رحلة مكلفة إلى مكان بعيد أو قم بشراء خزانة من الملابس والأدوات الالكترونية، لكن إياك أن تغيّر من نمط حياتك أيضاً أو تفكّر في الأسباب الحقيقية لشعورك بالملل. تشعر بالوحدة؟ اصرف ثروة صغيرة على موعد رومنسي مع فتاة لم تعد تكترث لك أو احجز ساعة مكلفة مع عارضة أزياء روسية، لكن إياك أن تحاول بناء علاقة حقيقية ذات معنى. تشعر بالاكتئاب؟ اصرف المزيد من المال على السيارات والهواتف والسفر والملابس وعمليات التجميل، لكن إياك أن تتخلى عن الحياة المادية الباردة والفارغة التي تسبّب لك الاكتئاب في الأساس.
  • خسارة الصداقات الحقيقية والاعتياد على تكوين صداقات سطحية. عند الانتقال للعيش في بلد آخر يكون لدينا أحياناً وهم أننا يمكننا الحفاظ على صداقاتنا كما هي في بلدنا الأم، لكن للأسف الواقع سيبرهن لنا عاجلاً أم آجلاً أن ذلك شبه مستحيل. طبعاً هنالك العديد من الصداقات التي تحتفظ برونقها رغم المسافة، لكنها الاستثناء. ما يحصل لمعظم الصداقات هو أنها تبدأ بالضمور مع الوقت ليختفي بعضها تماماً بعد بضعة سنوات. المشكلة هي أنه من الصعب تكوين صداقات جديدة بنفس العمق والرونق في مكان كدبي، وخصوصاً في ظلّ الوضعية الفريدة للعيش والعمل في المدينة. دبي هي في نهاية المطاف وجهة مؤقتة بالنسبة للجميع، مرتبطة بالعمل وتوافره؛ البعض يقضي فيها بضعة أشهر، والبعض يقضي فيها عشرات الأعوام، لكن معظم الناس يبدو أنها تقضي نحو خمس سنوات هنا قبل الانتقال إلى مكان آخر (نادراً ما تلتقي بشخص مضى على وجوده أكثر من ثمانية سنوات هنا). هذا يعني أن أي شخص يمكن أن يترك المدينة في أي وقت عند تغيّر وضعية العمل أو عند حصول أي تطوّر شخصي آخر كالزواج وما شابه. خلال ثلاث سنوات فقط، ودّعت نصف دزينة من الأصدقاء، ويبدو أنني بصدد توديع المزيد منهم خلال الفترة المقبلة.
  • الاعتياد على تكوين علاقات عاطفية سطحية أيضاً. هنالك عدد من الأسباب تجعل من دبي مكاناً مثالياً للعلاقات العاطفية السطحية ومكان غير ملائم على الإطلاق للعلاقات العاطفية الطويلة الأمد. بالنسبة لي كرجل، لا أنكر أن ذلك ليس أمراً سلبياً جداً بالنسبة لي، إذ بجهد قليل نسبياً يمكنك أن تواعد نساء من كل جنسية وشكل ولون، يمكنك حرفياً أن تعيش شيء يحلم معظم رجال العالم باختباره. الأمر يصبح مشكلة فقط للرجال الذين يفقدون توازنهم بسبب ذلك، ويصبح مشكلة أكبر إن كنت تبحث عن علاقة طويلة الأمد، أو إن كنت تودّ الزواج والارتباط الكامل، وهو شيء أنصح بكل صراحة بتجنّبه بالكامل مع الغالبية الساحقة من النساء اللواتي يعشن في دبي لأسباب أوسع من ذكرها في هذه التدوينة (أعلم أن الجملة الأخيرة لن تعجب كثيرين وربّما نعود إلى هذا الموضوع في تدوينات لاحقة).

 

*

طبعاً هذا لا يعني أن كل ما نكتسبه في الغربة هو عادات سيئة، فهذه العادات هي في معظم الأحيان ردّة فعل على قساوة الغربة وعلى العزلة التي نجد أنفسنا فيها مقارنة مع الحياة في بلداننا.

للمفارقة، هنالك عدد كبير من الناس يحسدون الذين يعيشون في دبي ويتمنّون لو أن الحياة تعطيهم فرصة للانتقال إلى هذا المكان الفريد، لكن سأخبركم بسرّ: معظم الناس الذي أعرفهم في دبي يتمنّون لو أن الحياة أعطتهم فرصة للبقاء في بلدهم. قد يكون ذلك متعلّق بالناس الذين أحيط نفسي بهم، لكن حين اتحدّث مع هؤلاء الأصدقاء، نتفق دائماً على أمر أساسي: نتمنى لو أنه بإمكاننا العودة الآن، نتمنى لو كانت لدينا فرص مشابهة في بلداننا – أو بالأحرى نتمنى لو كان لدينا بلد لنعود إليه! هنالك أمور إيجابية في الغربة، لكن نادراً ما التقيت بمغترب لا يتمنى لو أنه كان يمتلك الفرصة ليبقى مع عائلته وأصدقائه وفي الأماكن التي أحبّها.

خلال إحدى الرحلات في المترو العام الماضي، جلست بقربي امرأة آسيوية أخرجت هاتفها وبدأت تشاهد فيديو لطفل صغير يحتفل بعيد ميلاده وهي تذرف الدموع. قالت لي من دون أن أسألها أن الطفل هو ابنها ويحتفل بعيد ميلاده السابع من دونها، وأنها تعمل في دبي منذ أربعة سنوات ولا تستطيع إلا أن تبكي كلّما فكّرت به. معضلتها هي أنه عليها أن تعمل لدفع أقساط مدرسته وتأمين مستقبل كريم له، وأن ثمن ذلك هو أنه سيمضي طفولته من دونها. قصّة هذه المرأة تختصر معضلة العديد من الناس في غربتها الصحرواية؛ كأننا في برزخ لا يمكننا البقاء فيه ولا الرحيل عنه، ونشعر دائماً بأن الحياة الحقيقية تحدث في مكان آخر. الأمر الجميل والوحيد ربّما في هذه الحالة، هو أننا نكتشف كم نمتلك من حبّ في داخلنا لكل الناس والأمور التي تركناها ورائنا – المشكلة هي أن هذا الحبّ هو أيضاً ألمنا الأكبر.

8 comments

  1. Rebel · سبتمبر 6

    عندما ينتقل الشخص من بيئة فقيرة الى بيئة غنية، يعمل كثيراً و بتنافس. بالرغم من حسنات المجتمعات المتطورة (كالإنتاجية العالية)، يجب علينا ان ندرك خطورة الغرق في الإنتاج و والسيطرة على الماديات، وتجنب الهوس او محاولة ملئ فراغ في قلبنا من خلال الإعتماد على خدمات من هم اقل حظاً منّا. اشعر بنفس ما تصفه بالنسبة لمشاكل الغربة و خلوّها من الفرح اللذي احسسنا به قبل الإغتراب.

    • Adon · سبتمبر 7

      شكراً على مشاركة تجربتك والإضافة التي قمت بها.
      سلامي

  2. Mustafa Al-Faris · سبتمبر 6

    رائع كالعادة

    • Adon · سبتمبر 7

      شكراً مصطفى

  3. shadia · سبتمبر 9

    للاسف طوني حسب مابسمع من اقارب واصدقاء عايشين بدبي الحياة روتين قاتل ومقيت وكل شيء بحسو من الحكي سطحي جدا وشاحب حتى العلاقات متل ما حكيت سطحية وجدا ومبنية ع المصالح البحته شو ما كانت،
    بتخيل انو الواحد بهيك وضع ممكن يحس حالو بنفس الطريق بيشوف نفس الوجوه نفس النفس نفس الحكي العبارات ، وبالرغم من هيك انا شخصيا اذا اجت الفرصة راح اغتنمها لسبب واحد ووحيد المهنة والعمل وتحسين الوضع ،
    احنا بنتنازل عن كتير أشياء حلوة وكانو داخليا احنا مفطورين عالشقا والتعب والهم وبنرفض نشوف حالنا مبسوطين وبننبهر اذا وصلنا لهالحلة ،
    الحياة ونحن !

    • Adon · سبتمبر 10

      هاد الوصف الصحيح تماماً يا شادية. وللأسف مضطرين ناخد الفرصة اذا اجت لأن الافق مغلق ببلدنا.
      سلامي

  4. محمد ملكاوي · سبتمبر 22

    من خمس سنين اجتني فرصه عمل في دبي براتب 10 اضعاف دخلي بالاردن … مباشره استقلت من شركتي اللي كنت مبسوط فيها بمدينه اربد واطلعت عدبي مشان المصاري ..هدا اليوم بعتبره اسوا يوم بحياتي لانه عانيت من الاكتئاب لمده سنه قبل ما اقرر ارجع عالاردن والجمدلله اموري من احسن ما يكون بدون مصاري دبي … دبي الها كل الاحترام كونها من اشهر المدن العربيه عالميا وتطورت تطور هائل بعقليه ذكيه وبدون ما يكون فيها بترول .. لكن بالنسبه الي كانسان جاي من الريف ومتعود عفنجان قهوه بحاكوره الدار شفتها مدينه كرتون بلا هويه ..قززني منظر العمال المساكين الاسويين …بيئه العمل عالاغلب غير محترفه والناس همها الاستهلاك والاستهلاك .
    من سنه هاجرت عاستراليا … كان عندي مخاوف انه تتكرر تجربه دبي ..لكن الحياه هون بكل التحديات اللي فيها بس بالاخر بتحس بالهويه ..بتحس في اشي بشبهك .. بتحس انه ممكن تعيش هون للابد وتكون اصدقاء للعمربعلاقات قويه …انا بس علقت لانه بعرف مشاكل الاغتراب وحبيت احكي انه من تجربتي الشخصيه انا كمغترب بدبي كنت حاب ارجع عالاردن لكن انا كمغترب باستراليا حابب اعيش هون عطول وارجع عالاردن زيارات …. بالاخر بحب احكي انه بلادنا من احلى البلدان بالعالم بس لو الناس اللي فيها تتغير عقليتهم اشوي :):) …. مع احترامي لدول الخليج في حلول افضل للاغتراب🙂

    • Adon · سبتمبر 24

      شكراً كتير على مشاركة تجربتك محمد
      تحياتي

التعليقات مغلقة.