ثلاثون يوماً من دون كافيين

قهوة

*

طوني صغبيني

*

قد تكون القهوة الإدمان الأكثر رومنسية في ثقافتنا الشعبية. دواويننا الشعرية ورواياتنا المفضلة جعلت منها طقساً أسطورياً يتمتع بهالة دافئة من القداسة، وهي بالنسبة لمعظمنا ذاك السائل السحري الغامض الذي يربطنا بالكثير من الأمور الجميلة، كذوينا وأحبائنا وبلادنا وكتبنا وأحلامنا الصغيرة. فوق كلّ ذلك، القهوة هي صديقتنا الدائمة خلال سلامنا الصباحي ومغامراتنا الليلية الطويلة.

لعلّ كل ذلك هو ما يجعل من القهوة إدماناً فريداً من نوعه، وأنا متأكد أنه هنالك نسبة كبيرة من القراء سيعترضون حتى على تسميتها بالإدمان. خلال الفترة الأخيرة، وكالعديد من زملائي الذين يعملون في وظائف مكتبيّة، أصبحت اعتمد على الكافيين بشكل متزايد للتغلب على النعاس والتعب والملل المكتبي. كنت ابدأ الصباح بعدّة أكواب كبيرة من القهوة ويتبع ذلك أكواب أخرى من القهوة والشاي والمتة حتى ساعات الليل. أصبحت مع الوقت من أولئك الناس الذي لا يستطيعون بدء يومهم من دون قهوة – أي لا استطيع التحدث مع أحد أو البدء بأي مهمّة أو القيام بأي شيء يستوجب جهد جسدي أو ذهني قبل الحصول على جرعة كبيرة من الكافيين.

كنت قد تحدّثت سابقاً عن أهميّة التخلّص من كافة أنواع الإدمان للمساعدة في بناء حياة مستقلّة وبسيطة وحين لاحظت أن اعتمادي على الكافيين يقترب من الإدمان وجدت أنه قد حان الوقت للعمل بنصيحتي الخاصة. ذلك كان السبب لكي أجرّب التوقّف عن شرب كافة أنواع المشروبات التي تحتوي على كافيين لشهر كامل، وإرضاء فضولي حول تأثير ذلك عليّ.

*

الأيام السبعة الأولى

عند انتهاء اليوم الأول من دون كافيين، شعرت بأسوأ صداع يمكن أن يشعر به إنسان وبكمية هائلة من النعاس، كأن أحدهم كان يقوم بتنويمي مغناطيسياً بشكل خارق للعادة.

باستثناء الصداع، كان الاستيقاظ صباحاً أسهل من العادة لكنني كنت اتداعى من النعاس عند فترة بعد الظهر واستمرّ ذلك لعدّة أيام بعد إيقاف الكافيين. بعد الأسبوع الأوّل، خفّ الصداع اليومي حتى اختفى تماماً، وكذلك خفّ النعاس من فترات بعد الظهر لكنه لم يختفي بشكل كامل (يبدو أن النعاس بعد الظهر في الوظائف المكتبية هو أمرّ لا مفرّ منه).

التحدّي الأكبر في الواقع لم يكن جسدياً، بل في التفاصيل الحياتية اليومية: القهوة كان صديقتي الصباحية ورفيقتي عند الاستراحات ومحور العديد من المشاريع مع الأصدقاء، وكذلك كان الشاي صديق وجبة العشاء، والمتة صديقتي المميزة لنهايات الأسبوع وجلسات الكتابة. الطريقة التي ساعدتني على الاستمرار بالامتناع عن الكافيين هي الحفاظ على عادة احتساء مشروب ساخن في نفس الأوقات، لكنّني قمت باستبدال القهوة بأنواع من الشاي لا تحتوي كافيين، كالنعناع والشاي الأبيض والقرفة والزعتر والزهورات.

إحدى الصعوبات الأخرى كانت نفسيّة: التغلّب على الرغبة بتناول كوب من القهوة أو الشاي الثقيل كان أمراً صعباً، خصوصاً أن رائحة القهوة لها تأثير سحريّ عليّ. اكتشفت أيضاً أنه هنالك رابط عاطفي مع القهوة، حيث أن مجرّد رائحتها كافية لكي نشعر أحياناً بخفّة لطيفة.

*

هل كان هناك نتائج إيجابية للتوقف عن الكافيين؟

وعي أكبر بالمؤشرات الجسدية والذهنية: إحدى أولى النتائج الإيجابية هي أنني أصبحت أنتبه أكثر لمؤشراتي الجسدية والذهنية، وخصوصاً حين أكون بحاجة للراحة. حين كنت أشعر بصداع أو تعب أو نعاس في الماضي، كنت أعالج ذلك بكوب من القهوة الذي كان يحجب هذه العوارض لبضعة ساعات. النتيجة هي أنني لم أكن أعطي جسدي أو ذهني الراحة التي يحتاجها كلاهما.

في ظلّ غياب الكافيين، ليس هنالك من طريقة للاحتيال على احتياجاتي الجسدية والذهنية، وعلي بالتالي أخذ استراحة حقيقية عند التعب أو إنعاش نفسي بأشياء أخرى أكثر طبيعية، كالمشي والتمرين الرياضي وما شابه.

نوم أفضل: يبدو أنني من الأشخاص الذين يتأثرون بالكافيين بشكل كبير، حيث أن نوعيّة نومي تتحسّن بشكل ملحوظ عند التوقف عن الكافيين – وفي الماضي كان كوب صغير من القهوة في المساء كافي ليبقيني صاحياً حتى ساعات الفجر الأولى.

بعض الطاقة الإضافية: بعد بضعة أسابيع من إيقاف الكافيين شعرت ببعض الطاقة الإضافية خلال أيامي، ولعلّ ذلك يعود بشكل كبير إلى تحسّن نوعيّة النوم. في كلّ الأحوال دفعني ذلك لأقرأ أكثر حول تأثير هذه المادة على الجسد لأتأكد ما إذا كان ذلك مرتبطاً بالكافيين أم لا. ما قرأته من أبحاث كان مثيراً للاهتمام، هكذا يعمل الكافيين: يسدّ منافذ استقبال جزيئات معينة في الدماغ مسؤولة عن إخبار الدماغ بارتفاع نسبة الإرهاق الجسدي والذهني لكي يصدر الأمر بوجوب التحضير للراحة. حين يعجز الدماغ عن استقبال هذه الجزيئات (الأدينوسين) ، يُخدع للاعتقاد بأن الجسد والذهن هو في حالة من النشاط الكبير وتقوم الغدد بزيادة نسبة الهرمونات التي تساند هذا النشاط الزائد، وتحديداً هرمونات التوتّر مثل الأدرينالين والكورتيزول. هذه الهرمونات يصدرها الجسد عادة خلال الحالات التي تتطلّب جهداً جسدياً وذهنياً أكبر من العادة، كالتمرين الرياضي أو التعرّض لخطورة حياتية أو موقف يؤدي للتوتر، ويحتاج الجسد من بعدها لراحة أكبر لكي يعوّض فائض الطاقة الذي صرفه. هذا التأثير للكافيين يستمرّ ما بين 4 و 6 ساعات.

ما يقوم به الكافيين إذاً هو أنه يخدع الدماغ حول حاجتنا للراحة ويدفع الجسد لاستخدام حالة الطوارىء الهرمونيّة لتأمين فائض من النشاط، التي تتركنا في الواقع متعبين أكثر بعد انتهائها. يقول الباحث ستيفين براون  أن تناول الكافيين هو “مثل وضع عصا تحت الفرامل الأساسية للدماغ”. القهوة تؤدي بطريقة أو بأخرى إلى تراكم مستوى الإرهاق والتعب – كما أن ارتفاع مستوى هرمونات التوتر له نتائج جسدية ونفسية سلبية على المدى البعيد. اعتقد أن ذلك يفسّر قليلاً الطاقة الإضافية التي شعرت بها بعد إيقاف الكافيين.

قابلية أقل للتوتّر خلال اليوم: عملي في وكالة رقمية يُصنّف من إحدى أكثر الوظائف المسبّبة للتوتّر نظراً لوتيرته السريعة والضغط الكبير الذي يضعه العملاء على الوكالة، وكنت اعتقد أنه من الطبيعي أن تكون جميع أيامي مضغوطة ومتوّترة، لكن الحقيقة هي أن نسبة والتوتر انخفضت بشكل جيد بعد التوقف عن الكافيين، وأصبحت أقل عرضة للامتعاض والغضب خلال اليوم. لا أقول أن التأثير هذا هائل لكنه ملحوظ وإيجابي في وظيفة تسبّب التوتّر بشكل دائم. سأقول أيضاً أن دعاباتي تحسّنت لكن لا أعلم إن كان ذلك بسبب انخفاض نسبة التوتّر أم أنني شخص رائع بكل بساطة (حسناً هذه دعابة لكنّها بدّت أكثر مرحاً قبل كتابتها).

أسناني هي بحالة أفضل:  كنت أشعر بألم في الأسنان كلما تناولت كميات كبيرة من القهوة، لكنّ اعتقد أنني لم أتقبل ذهنياً فكرة الارتباط بين القهوة وصحّة الأسنان، رغم أنه هنالك صديق شخصي لي خسر معظم أسنانه في عشريناته بسبب ادمانه الهائل عليها. يبدو أن محتوى الحموضة العالي في القهوة يساهم في تآكل أنامل الأسنان وإضعاف اللثة.

تأثير مختلف على الرياضة: الرياضة أيضاً كان لها نصيبها من التأثيرات لكنها لم تكن جميعها إيجابية. أدائي في تمارين رفع الأثقال تراجع قليلاً في ظلّ غياب الكافيين، بينما تحسّن أدائي في التمارين الرياضية الهوائية أي التي تستوجب قدرة تنفسّية عالية. ليس لديّ المعرفة العلمية الكافية لفهم أسباب ذلك، لكن هنالك نتيجة إيجابية في كلّ الأحوال هو أنني أشعر بجفاف أقل بعد التمارين الرياضية مقارنة مع الفترة التي كنت أتناول فيها القهوة.

*

هل كانت التجربة ذات جدوى؟

لا أزال اتجنّب احتساء مشروبات تحتوي على كافيين حتى الآن رغم إكمال فترة الشهر. المشروب الوحيد الذي يحتوي على كافيين في يومي حالياً هو الشاي الأخضر، الذي يحتوي 80 % أقل من الكافيين مقارنة مع القهوة. لماذا استمر بذلك؟ لأنني بكل بساطة استمتع بالنتائج الإيجابية القليلة التي شعرت بها حتى الآن، لكن هنالك سبب أهم يقف خلف هذا الأمر. كالعادة، عليكم أعزائي القراء أن تتحملوا لبضعة أسطر رغبتي بربط كل الأمور بكل فكرة الحضارة والمنظومة التي تحكم حياتنا.

ألاحظ أنه هنالك العديد من الزملاء والناس بشكل عام يدخلون في حالة من الامتعاض والغيظ والتوتر إن لم يحتسوا قهوتهم في الوقت المحدّد، بل إن بعضهم لا يستطيع أن يكونو “طبيعياً” من دونها. هذا ما لا أريده لنفسي ولا لأي إنسان يرغب بأن يوسّع نطاق وعيه وحريته الذاتية – أريد أن أكون طبيعياً بشكل طبيعي من دون الاعتماد على مادّة خارجية (يا لها من فكرة ثورية!).

القهوة هي مشروب يشبه منطق الحضارة كثيراً: حين نصل لقدرتنا القصوى على التحمّل، نلجأ للقهوة لكي تساعدنا على الاستمرار بالعمل والانتاج والاستهلاك  – وهي كلها أمور تحبّها الرأسمالية كثيراً. نستعمل الكافيين وغيره من المواد لكي نعمل فوق طاقتنا فيما يتراكم التعب في الخلفيّة، حتى نصل إلى أيام نتفاجأ أننا منهكون بالكامل. هكذا تتعامل الحضارة مع العالم، تريد تحقيق كل شيء بأسرع وقت وفوق قدرة الناس والأرض على التحمّل، ونتفاجأ حين ينتهي الأمر بانهيارات كاملة – كما حصل خلال الأعوام الأخيرة. لا أعلم إن كنت سأعود إلى تناول القهوة وغيرها من الكافيين في الفترة المقبلة، لكنّي سعيد بأنني أعلم أنني امتلك الإرادة والقدرة على التخلّي عن ذلك عند الحاجة، ومن هذا المنظار، هذه التجربة كانت من دون شكّ ذات جدوى.

7 comments

  1. Mustafa Al-Faris · أكتوبر 16

    انا سعيد جدا بهذه التدوينة، من الجيد انني لم امر بمرحلة ادمان (عدا الاجهزة الذكية😁)، استهلك كل الامور التي تدعوا للادمان، الشاي، القهوة، الكحول و لم اصل لهذه المرحلة. ربما السبب لان استهلاكي متوسط من غير ان اقصد. تحياتي لك

    • Adon · أكتوبر 16

      شكراً مصطفى، جميل ان لا شيء وصل للإدمان معك.
      للأسف الوظائف المكتبية والقهوة لهما في غالب الأحيان علاقة حميمة وغير متوازنة هههه
      سلامي

  2. الاء · أكتوبر 17

    مقال رائع 👍
    أنا أيضآ أقول هذا منذ زمن بل أشعر أنها تشبه المخدرات!!
    فعلآ كيف لشخص سوي أن يربط مزاجه و تعامله مع الغير بتناول مشروب معين !
    لأجل هذا أنا صامدة جدآ في أي شيء أشعر أنني سأدمن عليه خذ القهوة والشاي مثاﻻ فأنا لا أشربهما أكثر من 5 مرات في (السنة) رغم إصرار من حولي كي أشاركهم المزااج.

    • Adon · أكتوبر 17

      تماماً آلاء.
      شكراً كتير على اضافتك اللطيفة
      سلامي

  3. ميمونة · أكتوبر 17

    تجربة مميزة ، تجارب كهذه تتطلب منا الاصرار 👍
    اشرب يوميًا كعادة في بيتنا الشاي بالحليب صباحًا ما عدا ذلك لااشرب الشاي بدون حليب اطلاقا والقهوة نادرًا في الجمعات العائلية لكنك اثرت فضولي بان اتوقف عن الشاي وارى النتائج كيف ستكون !

    • Adon · أكتوبر 17

      شكراً ميمونة،
      التجربة غالباً تستحق بحد ذاتها بغض النظر عن النتيجة.
      تحياتي لك

  4. احمد · أكتوبر 25

    هل لديك نسخة pdf لكتاب الازمة الاخيرة ….. ارجو الرد وشكرا

التعليقات مغلقة.