الحب هو الأشياء الصغيرة

الحب في الأشياء الصغيرة -من رسومات الفنان الكوري puuung

الحب في الأشياء الصغيرة -من رسومات الفنان الكوري puuung

*

طوني صغبيني

*

كنت أقول دائماً لحبيبتي السابقة أن ذاكرتي ملعونة إذ إني لا اتذكر سوى الأشياء الجميلة في الحب. هذا ما يجعل عشقي دائم الحضور في حياتي، حتى بعد نهايته، كأنه يعيش خارج الزمان ومُعفى من أحكامه القاسية. اللعنة هذه تعني أنني أينما التفت في أيامي، لا أزال أجد الحبّ في الآلاف من الأشياء الصغيرة حولي.

في بعض أيام الصباح، الحب هو رائحة الفانيلا لاتيه، واعتقد أن تلك الفتاة ربّما اخترعت هذا المشروب ليكون هنالك رائحة مميزة تحملها إليّ كلّما مررت بالقرب من مقهى. في أيام أخرى، الحب هو أن أقرأ كتاباً أهدتني إياه بتمهّل شديد، صفحة أو اثنتان فقط كلّ بضعة أيام، لكي تطول القراءة ويبقى الكتاب قرب سريري. أحياناً أخرى يباغتني الحب في المصعد في المبنى الذي أقطن فيه، الذي كانت حبيبتي تتذمّر منه لخلوّه من المرايا فيما ابتسم في كلّ مرّة لأنني اتوقّع ردّة فعلها ما أن ندخل فيه.

الحبّ هو أن أرى لوحة فنّ حديث وبدل أن أحيد نظري واشتم الحداثة وربّ الحداثة وفنّ الحداثة وما بعد الحداثة، اضحك وأفكّر بكل الأمور التي أعلم أنها ستقولها لي عن أغرب الأمور التي أراها في حياتي. أحياناً يفاجئني الحب حتى في النادي الرياضي الذي تصدح فيه الموسيقى دائماً؛ أي أغنية لأديل أو سيا كافية لتغرق حواسي بسيل من الأشياء الدافئة.

يقابلني الحبّ حين أذهب إلى المكتبة أيضاً، يقف أمامي هناك في قسم أدوات الرسم، ويسألني ماذا ستجلب لمجنونتك الغريبة اليوم؟ يأتي الحب خلال نومي أحياناً، يذكّرني أنه في إحدى أيام تشرين منذ أربعة سنوات كنت أقبّل حبيبتي للمرة الأولى، ولوهلة قصيرة أشعر أنني استطيع لمس ذلك الفستان البنفسجي الناعم.

هذه الأمور كلّها أصبحت من الماضي، واللعنة التي ترافق ذاكرتني تجعلي أفكّر ما إذا كانت هذه الظاهرة شيئاً سلبياً، وفي البداية كنت اعتقد ذلك، حيث أنه يعني ربّما أنني لم اتجاوز تلك العلاقة بعد. الحقيقة هي أنني لا أؤمن شخصياً بعودة الماضي ولا رعبة لي بالعودة إليه أو بعودته إلي، لكني اتعامل مع هذه التفاصيل كأجزاء منّي، أشياء ساهمت في تكويني وذكرياتي في الماضي ولا داعي للتخلّص من الأشياء الجميلة لأن الحياة باغتتنا بمسارات غير متوقّعة.

بعد نهاية العلاقة تلك قال لي بعض الأصدقاء أنني أصبحت خالٍ من المشاعر، أقرب لأولئك الأوغاد الذين يتعاملون مع حبيباتهم بأسوأ الطرق، وسمعت الأمر نفسه من النساء اللواتي عبرن في حياتي بعد تلك العلاقة. لم يزعجني ذلك، بل شعرت كأنه هنالك عبء صغير أزيح عن كاهلي. إن خسرنا القدرة على الحبّ ، يخسر الحب قدرته علينا – كنت سأقول يخسر الحب قدرته على إيذائنا لكنّني شعرت أن الجملة مبتذلة. رغم ذلك، هذا تماماً ما أحاول قوله.

أقول ذلك وأعلم أنني مخطىء، أعلم أننا لا نستطيع العيش بقلوب مغلقة، لكنني أعلم أيضاً أننا لا نختار أحياناً إغلاقها بإرادتنا. ربّما كلّ هذه الأشياء الصغيرة تحاول أن تخبرني شيئاً، ربّما تحاول أن تقول أنه في الوقت الذي اعتقد أنني تخلّيت تماماً عن أسطورة الحبّ، لا يزال هنالك في مكان ما من قلبي ، القليل من الدفء.

6 comments

  1. Abeer Khshiboon · نوفمبر 8

    تلك الجملة لم تكن مبتذلة، بل ناقصة. الحبّ إنّما يفقد قدرته على إثارتنا، في الألم كما في النشوة.
    طبعًا الحبّ لا يخسر شيئا. النّهر الجاري لا يخسر إن لم نشرب منه.

  2. Reine Mary Nemer · نوفمبر 8

    كل الحب🙂 من أجمل ما قرأت من فترة

  3. غير معروف · نوفمبر 8

    : )

  4. غير معروف · نوفمبر 8

    أحببت النصّ طوني أنت دائماً قادر على خلق التفاصيل والأفكار التي تجعلنا نتذكر أن الحياة والحب بقدر ماهما أشياء نخلقها بداخلنا ونكافح للحفاظ عليها هما تفاصيل نتشاركها مع البشر والعالم ونتقاطع فيها . شكراً على الإلهام الدائم .

  5. احمد · نوفمبر 9

    هل لديك نسخة pdf لكتاب الازمة الاخيرة ….. ارجو الرد وشكرا

  6. Eman A. Hayya · 26 Days Ago

    “إن خسرنا القدرة على الحبّ ، يخسر الحب قدرته علينا – كنت سأقول يخسر الحب قدرته على إيذائنا لكنّني شعرت أن الجملة مبتذلة. رغم ذلك، هذا تماماً ما أحاول قوله”. طبعًا بعد *تنهيدة متوسطة الطول* أنا أقول بأن تلك التجارب التي لا نتوفق فيها -ولا أريد أن أقول العلاقات التي نفشل فيها- تجعلنا أشخاص أكثر حساسية اتجاه تجارب جديدة، وأكثر حذرًا، إذ نُصبح دفاعيين اتجاه أي شخص يحاول التقرب منا أو تحفيز مشاعرنا واستثارتها مجددًا، لأن في عقلنا اللاواعي تم تخزين تجربة مُحزنة أو مؤلمة لا نريد لها أن تتكرر، فيبتكر عقلنا حيلة دفاعية مضمونها “أن الحب لم يعد له سطوة علينا”، لكننا اؤكد لك مثقلون بالمشاعر والأحاسيس حتى أنها تزيد بعد كل تجربة غير موفقة. | الجميل في الأمر أنني نشرت للتو مقالة بعنوان “الدراما والمشاعر” كأزمة وجودية، وكنت أتصفح مدونتك ومررت بالمقال هذا قدرًا. 🙂

التعليقات مغلقة.