تذكّر أنك ستموت

memento-mori-2

*

طوني صغبيني

*

لا يوجد جملة تعبّر عن الروح السائدة لعصرنا أكثر من الجملة الإنكليزية التي اشتهرت على الانترنت خلال الأعوام الماضية والتي تقول Y.O.L.O، أي You Only Live Once. الجملة تعني باللغة العربية “نحن نعيش مرّة واحدة فقط”، وبمعنى أوسع تشجّع على تحقيق الاستفادة القصوى من حياتنا على هذه الأرض والقيام بكلّ شيء نريد أن نقوم به في الفترة القصيرة المتوافرة لنا في الحياة. للوهلة الأولى قد تبدو هذه الجملة صحيحة، والبعض قد يقول أنها تصلح لتكون دليلنا في الحياة، وأوافق جزئياً على ذلك، لكنّي سأناقش هنا لماذا تعبّر أيضاً عن أسوأ ما في الذهنية السائدة في مجتمعنا وخصوصاً من ناحية علاقتنا مع الموت والحياة.

ما أوافق عليه هنا هو أنني أؤمن أننا يجب أن نعيش حياتنا إلى حدّها الأقصى، وقتنا على هذه الأرض ثمين وقصير ولا طائل على الإطلاق من إضاعة حياتنا في الكثير من الهراء الذي يُفرض علينا يومياً. من ناحية أخرى، ما لا أوافق عليه هو أن كلّ الهدف من الحياة هو عيشها لأنفسنا ولمتعتنا الشخصية فقط – وهو ما تعبّر عنه جملة YOLO في جوهرها.

رغم بساطتها تعبّر هذه الجملة عن فلسفة قديمة وُجدت منذ فجر الفلسفة نفسها، ونقصد مذهب المتعة الذي يعتبر أن المتعة والسعادة هي أهداف الحياة. طبعاً من الصعب الاعتراض على هذه الفلسفة لأن السعي للسعادة هو أمر طبيعي – كما أن المتعة هي جزء أساسي من التجربة البشرية. المشكلة هي أن وضع المتعة كهدف أسمى للحياة يتحوّل عادة إلى شكل من أشكال الهروب من الواقع حين نواجه معضلات كالتي يواجهها مجتمعنا اليوم. حين يصبح الواقع مزرياً لدرجة كبيرة، إحدى ردود الفعل في المجتمع هي البحث عن المتعة بأي شكل من الأشكال، ولذلك تشكّل ستاتوسات الفايسبوك والأفلام والبرامج الكوميدية والهوس الجنسي والاستهلاكي أبرز الظواهر في حقبات الأزمات الكبرى، لأن كلّ هذه الأمور تمدّ الناس بجرعات من المتعة تلهيها قليلاً عن قتامة الواقع.

لذلك ليست صدفة أن يتحوّل تعبير مثل Y.O.L.O إلى إحدى أكثر الجمل شهرة في ثقافتنا، لأن البحث عن المتعة ومحاولة اختبار أقصى ما يمكن من الحياة يصبح هدفاً بحد ذاته حين نشعر بأننا مهدّدون بالموت الفعلي من جهة، وبحياة مملة تشبه الموت من جهة أخرى. الحضارة السائدة لا تقدّم لنا الكثير من الخيارات، لكن المشكلة الأكبر هي أن حضارتنا بأكملها تعيش بفلسفة Y.O.L.O. حضارتنا تتصرّف كأنها ستعيش فعلاً مرة واحدة فقط، تستهلك كل الموارد على الكوكب بنهم لا مثيل له، كأنه لن يكون هنالك بشر من بعدنا. من يتحدّث عن الواقع كما هو أو يتساءل عن المستقبل يُنظر إليه على أنه شخص سلبي وسوداوي وغير محبّ للمتعة بل حتى معادٍ للحياة. من سخرية القدر، التشكيك بالحضارة المعادية للحياة، يجعلك بنظر أهل الحضارة معادياً للحياة.

تشاء الصدف أن فلسفة المتعة كانت الخصم التاريخي للفلسفة الرواقية، وهي فلسفة تعود للظهور بشكل مثير للدهشة خلال الحقبات الصعبة كالتي نمرّ فيها اليوم. تقوم الفلسفة الرواقية على معرفة الطبيعة والذات ومحاولة تحقيق التناغم بين الاثنين. أهمّ ما فيها هي أنها تقبل الطبيعة كما هي، بحلوها ومرّها، بمتعتها وآلامها، بسعاداتها وأحزانها، وعوضاً عن تشجيع أسلوب حياة يقوم على ملاحقة المتعة ، تركّز الفلسفة الرواقية على قدرة الفرد على التناغم مع الطبيعة وتحمّل كافة التقلّبات من حوله بثبات وقوّة. رحلة الفرد في الرواقية ليست متمحورة حول المتعة، بل حول تحقيق أكبر قدر ممكن من النموّ الروحي في وجه كل الظروف التي نمرّ فيها في الحياة.

من نافل القول أن الفلسفة الرواقية متناغمة أكثر مع طبيعة الحياة، لكن ما يهمّني الإضاءة عليه هنا هو علاقتها بالموت. الفلسفة الرواقية كانت تركّز على تمرين تأمّلي معروف جداً في مدارس الحكمة القديمة – وهو تأمّل الموت. أي أن من يتبع الفلسفة الرواقية كان يجلس كل يوم ويذكّر نفسه بأنه سيموت ويتأمل طبيعة موته وماذا سيعني ذلك له وللعالم من حوله. هذه الممارسة وجدت تعبيرها فيما بعد في مثل روماني معروف كان يقوله القادة الرومان لأنفسهم بعد العودة من الحروب وهو Memento Mori أي “تذكّر أنك ستموت”.

 في الشكل، قد يبدو أن YOLO (التي اعتبرناها تعبيراً عن فلسفة المتعة) وMemento Mori (التي تعبّر عن الفلسفة النقيضة لها)، يعبّران عن فكرة واحدة، لكن الحقيقة هي أنه هنالك اختلاف شاسع بينهما. الفارق الأكبر والأهم هو أن YOLO تقوم على الخوف من الموت، فيما كل الفكرة من Memento Mori هي التصالح مع الموت.

YOLO ، بخوفها من الموت والفناء، تركّز على ما يجب أن تقوم به تجاه نفسك، وتشعرك بأن هدفك يجب أن يكون تحقيق أكبر قدر من المتعة والتجارب لنفسك فحسب، لكن Memento Mori تقوم على عيش الحياة بشكل “صحيح” وهذا يشمل لا الأفعال التي تقوم بها تجاه ذاتك بل أيضاً تجاه الأخرين وتجاه الأرض التي تعيش عليها، لأن التصالح مع الموت يعني التصالح مع ما تتركه خلفك أيضاً. “تذكّر أنك ستموت” تهدف لأن تذكّرك بأنك جزء من الطبيعة وبأنه مهما بدت انجازاتك الآن كبيرة وهائلة – فمصيرك هو في نهاية المطاف كمصير كلّ شيء حيّ – الموت والتحوّل – ولن يبقى منك سوى ما تتركه ورائك من أثر. فيما ينصبّ اهتمام YOLO على اللحظة وعلى الذات، ينصبّ اهتمام Memento Mori على التناغم مع الحياة ككل وعلى التفكير بما هو أبعد من وجودك الجسديّ المؤقت على هذا الكوكب.

للمفارقة، الجملة السائدة في ثقافتنا – YOLO – هي تعبير مختلف عن خوف حضارتنا وأديان حضارتنا من الموت. أديان الحضارة – وخصوصاً بشقّها “السماوي”، تقوم على نكران الموت – بل تذهب إلى حدّ القول أن الجميع سيعود في يوم القيامة بنفس الجسد ليشارك في حفلة نهاية العالم، أو أن الجميع سيعيش للأبد في جنّة بعيدة لا آلام ولا أحزان فيها. الأديان السائدة تكره الطبيعة، وتكره الموت لأنه امتداد لقوانين الطبيعة. العلم السائد أيضاً يتعاطى مع الموت كأنه مشكلة أخرى يجب أن نتغلّب عليها، فتارة يريد إطالة الحياة بعلم الجينات وتارة يريد نقل الوعي البشري إلى حواسيب الكترونية لنعيش في السحابة الرقمية للأبد. أديان الحضارة، سواء كانت سماوية أو علميّة أو عدميّة، غير متصالحة أبداً مع فكرة الموت وتحاول بشتّى الطرق أن تخرج بفلسفات واختراعات للالتفاف عليه.

حين نتصالح مع الموت، نتحرّر منه. نحن نعتقد أن الموت نهاية لأننا متعلّقون بكلّ تلك الأمور السطحيّة التي تشكّل أجسادنا وشخصياتنا وقناعاتنا التي نرتديها كل يوم والتي نعتقد أنها نحن، لكنّنا أكثر من ذلك بكثير. هنالك آلاف الطرق التي سنسلكها بعد موتنا وهنالك آلاف الأشكال التي سنتواجد فيها حين تكفّ أجسادنا عن الوجود. الحقيقة هي أننا سنموت؛ كاتب هذه السطور وكل من يقرأها الآن سيموت عاجلاً أم آجلاً، السؤال هو كيف سنعيش حياتنا وما الذي سنتركه وراءنا حين نرتحل؟

لا أعلم عنكم، لكن ما أريد أن اتركه ورائي هو مكان أكثر جمالاً ودفئاً وحميمية من حضارة الموت التي ولدنا فيها، عالم يوجد مكان فيه لقبيلتي، لقبيلة الشمس والحياة والوجد والعشق والرقص والقتال ولا مكان فيه لقبائل الظلمة التي تحكمنا الآن. تذكّر أنك ستموت، وعش حياتك بناءً على ذلك.

3 comments

  1. Abeer Khshiboon · 29 Days Ago

    لا أعرف إن كان يصحّ القول إنّ الإديان السماويّة “تنكر” الموت. لكنّها بالتأكيد لا تتقبّله كجزء من الطبيعة، وتتعامل معه على إنّه “شرّ”.
    حسب أفلاطون، أرواحنا خالدة وموطنها الأصليّ في النّجوم، إمّا أجسادنا فزائلة ولذا فهي غير موثوقة. حسب الفلسفة اليونانيّة الخلود خيّر والزوال شرّير، الروح عاقلة والجسد مادة محكومة للقوى الشيطانيّة.
    حسب بولص – المؤسس الفعلي للديانة المسيحيّة، الموت كان أحد عواقب الخطيئة الأصليّة، فلو لم يخطئ آدم وحوّاء، لما فقدنا الجنّة والخلود. ولما ارتدينا أجسادنا هذه، التي إن أصغينا لها لن تجرّنا إلا إلى الخطيئة من جديد.
    حتّى بعد الثورة العلميّة، وبعد إضعاف سيطرة الكنيسة في أوروبا، بقي الخلود هو مبتغى العلماء. الفرضيّة الأساسيّة التي وقفت وراء النظريات العلميّة التي دفعت أوروبا إلى التنويريّة، كانت فرضيّة “العلم الجديد سيوصلنا إلى معرفة كيفيّة استعادة الخلود الذي فقدناه في الجنّة الأولى”.
    عالمنا المادّي الذي كان موطنًا للقوى الشريرة (حسب الفلسفة اليونانيّة وحتّى العصور الوسطى وعصر النهضة) تحوّل مع تقدّم عجلة العلم إلى مجرّد مادّة ميتة، خالية من الأرواح، حتّى الشريرة منها.
    حتى بعد أن طُرد كلا من الله والشيطان من الطبيعة، بقيت أمنية الخلود هي الأساسيّة في ذهنيّة الإنسان العصري “المؤمن” بالتقدم العلمي اللانهائي، والذي – بالاستناد إلى إيمانه الأعمى بعلومه الجديدة، بنى منظومة أخلاق علميّة تشرّع كلّ فعل استغلال لكوكبه الوحيد (هذه الصخرة الميتة والزائلة).
    شعار YOLO إنّما يدلّ على أنّ شبح ملاك الموت ما زال يظهر على شكل الشيطان في مخيّلة البشريّة الباطنيّة، وهذا الخوف قد يدفعنا بسهولة إلى الانجراف أكثر وأكثر في متع “جنّتنا المؤقتة” التي استعدناها بأنفسنا وبفضل عقولنا، ولذا من حقّنا الشرعيّ ابتلاع خيراتها كما نشاء، حتّى الرمق الأخير.

  2. كيف الأديان تنكر الموت … سيدنا و مولانا نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وال وسلم .. سأله أحد الأصحاب .. قال ماهي خير الأعمال
    قال الرسول الأعظم(ص) …خير الأعمال تذكر الموت.

  3. mostfing · 11 Days Ago

    هل يمكنك ارسال فيديو عبوديه العمل لي ولما قمت بحذفه ؟؟ انه جميل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s