هل نستطيع إنقاذ قدرتنا على الحب؟

حين رأيتها، كانت تمشي نحوي وعلى وجهها ملامح ذاك الفرح الطفولي الذي أحببته فيها. كانت تحمل كيساً ضخماً يطلّ منه شيء غريب. حين وصلنا إلى المنزل وأخرجت محتواه، رأيت تمثالاً خشبياً داكناً، يمثل رجلاً أفريقياً نحيفاً مع قدمان طويلتان وبطن منتفخ، يحدّق بي. لم يكن هذا التمثال العجيب أوّل هدية غريبة منها، فقد اعتدت على كل الأشياء الغريبة التي أصادفها معها للمرة الأولى. المشكلة هنا هي أنها خططت لهذا الرجل الخشبي حياة طويلة، يقف فيها في زاوية غرفتي الصغيرة ويحدّق بي طوال الوقت.

لم يعجبني التمثال أبداً، لكنني أحببتها كثيراً، وعلمت أنه سيكون إحدى تلك الأشياء التي سأتعلّق بها فيما بعد لأنه يمثّل جزء طريف من علاقتنا وحياتنا معاً. قرّرت وقتها أن أطلق عليه اسم “سعيد”، تحديداً لأن انطباعي الأوّل عنه كان العكس تماماً. تحوّل سعيد إلى قاطن دائم في منزلي، ينظر إليّ بصمت، يتأمّلني من خلال ملامحه القاسية والغريبة، وكان شاهداً على الكثير من الأشياء الجميلة والكثير من الأشياء الصعبة أيضاً. بقي سعيد في الغرفة حتى نهاية تلك العلاقة العاطفية.

بعد نحو عام من انتهاء العلاقة، شعرت أن الوقت حان لينتقل سعيد إلى منزل جديد، بعيداً عني، وبعيداً عن ملامحه التي كلما نظرت إليه تشعرني كأنه يسأل عنها وعن غيابها. في الأساطير الكنعانية القديمة، كان يقال أنك حين تعطي اسماً لشيء ما، تنفخ فيه الروح، وهكذا شعرت مع سعيد – حتى أن المرة الأولى التي كنت فيها مع فتاة بعد حبيبتي السابقة، توجهت إليه وأدرت وجهه للحائط لكي لا يراني ويغضب مني.

بعد العلاقة، أصبح وجوده في الغرفة ثقيلاً، وكلما امتدّت المسافة الجغرافية والزمنية عن العلاقة السابقة، بات وجوده محزناً أكثر. عندما قمت ببيع جزء كبير من أغراضي القديمة، كنت أيضاً بصدد بيع الطبل الأفريقي “الدجيمبي”، الذي حاولت تعلمه سابقاً لكن النجاح الوحيد الذي حققته معه كان إزعاج جيراني لأشهر. حين أتت الفتاة التي أرادت شراء الطبل إلى المنزل، رأيتها متحمسة لكل ما هو غريب، وهكذا وجدت نفسي أقدّم لها سعيد كهدية. شعرت كأنني تخلّصت من الشيء الأخير الذي كان يربطني بذلك الماضي، ودخلت مرحلة اعتقد أنها كانت قريبة جداً من العدمية المطلقة.

من الطبيعي أن تحصل أمور في الحياة تفقدنا إيماننا في بعض الأشياء – وهذا ما حصل. لم أكن يوماً من الذين يؤمنون بالأحلام الوردية أو من الذين لديهم أفكار غير واقعية عن الحياة ولذلك لم أكن أؤمن بالمثاليات والنهايات السعيدة وأقبل كل ما تعطيني إياه الحياة، لكن فقدان الإيمان بالحب بهذه الطريقة هو أمر مختلف، وله كلفة عالية. يغيّرك من الداخل.

هذه المرحلة الشخصية حصلت في ظلّ موجة عامة في ثقافتنا السائدة تتوجّه نحو الفراغ والعبثية. لا شيء اليوم يبدو كأن له قيمة وحتى الحياة بأكملها تبدو أحياناً كأنها تمثيلية مزيفة الهدف منها التقاط صور لحساباتنا على فايسبوك. ما أريد قوله هنا، أن فقدان الإيمان بالحب وبالأشياء الجميلة هو حدث حصل لنا جميعاً بدرجات متفاوتة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في شرق حطّم نفسه ولم ينتج مؤخراً سوى الموت والأحلام المكسورة.

الصراعات التي مررنا بها جعلت من الأسهل على غالبية منّا أن تعيش في العدم أو في أقرب مكان إليه – حيث كل شيء عابر ومؤقت، حيث لا نسمح لأنفسنا أن نرتبط حقاً بشيء أو بأحد، وحيث نعتقد أن ذلك يحمينا من الألم والحزن.

في السنوات الماضية، رأيت ذلك بوضوح مع الناس من حولي. البعض اعتنقوا العدم وفقدوا الإيمان بكل شيء لدرجة أنهم أصبحوا ثقباً أسود من الفراغ وفقدوا كامل احساسهم بأي أمر. يمكن للناس أن ترمي أي شيء عليهم، من أجمل الأمور إلى أسوأها، من دون أن تحصل على أيّة ردّة فعل إنسانيّة منهم. هؤلاء يتجنّبون العلاقات العاطفية، لا لأنهم لا يريدونها فحسب، بل لأنهم فقدوا قدرتهم مع الوقت على العطاء والحصول على أي شيء ذات مغزى.

البعض الآخر، قرّروا أن يذهبوا في الاتجاه المعاكس تماماً وبنوا الكثير من القصور الورقية والأحلام وردية مع أوّل فتاة التقوها. حين تفشل محاولتهم تلك، تكون إجابتهم عادة بناء قصور ورقية أكبر مع ثاني فتاة يلتقونها، وهكذا دواليك، حتى أنني اعتقد أن البعض منهم سيصل إلى مرحلة يتقدّم بها بطلب الزواج عند أوّل دقيقة من لقاء فتاة جديدة.

شخصياً، كنت أقرب بكثير للاحتمال الأوّل، وبالفعل تجنّبت أي ارتباط أعمق من ساقية ماء صغيرة لسنوات وسنوات. للمفارقة، مرحلة الاقتراب من العدم أوصلتني إلى إعادة اكتشاف كل الأشياء الجميلة. العدم هنا كان بمثابة فلتر أزال كل الأشياء السطحية المترسّبة من التجارب السابقة وكشف عن الأمور الحقيقية التي تبقى بعدما يزول كل شيء آخر. يقال كثيراً أننا لا نكتشف بعض الأشياء إلا حين نعيش نقيضها، ويبدو أن تقليص الوعي لحالة العدم هو شرط اكتشاف جوهر هذا الوجود اللانهائي. الأشياء الموجودة في القلب، والتي لا نكتشفها أحياناً إلا حين يصل ألمنا إلى قلب الوجود، والتي لا أعرف حتى كيف يمكن التعبير عنها بالكلمات، موجودة فينا كهدية من الكون الذي يعلم أن أجمل طريقة لنختبره بها هي عبرها.

حسناً، لقد انتقل الحديث كثيراً إلى الفلسفة الآن – ما أقوله بكل بساطة هو أن الحب جزء من الحياة – وإقفال قلوبنا بعد علاقات مؤلمة هو إقفال جزء مهم وجميل من ذواتنا عن الوجود وجزء مهم وجميل من الوجود عن ذواتنا. هذا لا يعني أننا يجب أن نصدّق النسخة السائدة عن الحب في الأفلام الرومنسية والروايات الشعبية، ولا يعني أن نكون ساذجين في الحب، لكنه يعني أننا لا نستطيع إقفال قلوبنا والعيش ضد طبيعتنا البشرية ثم التساؤل فيما بعد لماذا نشعر دائماً بأنه هنالك شيء ما ناقص من حياتنا.

بعد بضعة أشهر من إرسال سعيد كهدية، وبعد التصالح مع تلك الفترة من حياتي، شعرت بأن زاوية الغرفة فارغة من دونه، وهكذا بدأت مغامرة استعادته. لا مجال هنا لذكر الأحداث التي أعادت سعيد إلى زاوية المنزل، لكن ما يمكن قوله هو أنني كنت أتساءل وقتها إن كان يمكن إنقاذ قدرتنا على الحب بعد علاقة أشعرتنا أننا استنفذنا كل ما لدينا. أدركت لاحقاً أن استعادته قد تكون استعادة رمزية لذلك الجزء مني، لا الجزء المرتبط بتلك العلاقة تحديداً، لكن بقدرتي على أن أحبّ، حيث أنني كنت أستطيع أن أحب تمثالاً غريب الشكل ، فقط لأنني أحببت الإنسانة التي حملته إلى الغرفة. وهذه قدرة أودّ أن تبقى جزءاً مني…

3 comments

  1. غير معروف · مارس 21

    ممتنى لهذا النصّ فوق ماتتصوّر ، كان بمثابة ربتة على الروح لتجربة مشابهة مررت بها .

  2. عروة · مارس 21

    التحديث في العدم مرحلة ضرورية، آخر مرحلة يمكن للعقل أن يصلها، يوجد من وقف يحدق في الهاوية و يبكي حظه، و يوجد من قفز، الأول تبع عقله الدي حسب كل الإحتمالات فخاف القفز، الثاني اتبع قلبه الدي لا يخاف، القلب وحده من يمكنه إنقاد الإنسانية من هدا العبث، المحبة الخالصة، أن تبقى قادرا على أن تحب هو نصر ضد كل هدا العبث في العالم، ربما يبدو كلامي كأغنية للبيتلز، لكن أعتقد أننا إن وجدنا قدرتنا على المحبة، -و لا أقصد هنا الحب الرومانسي- سننقد نفسنا و ننقد العالم، هدا الحب الدي لا غرض منه، و ليس بين دواتين مختلفة، ليس حبا بين كائنين منفصلين، الحب الدي يتجاوز دات صاحبه.

    شكرا لك على هدا النص.

  3. Ali · مارس 25

    زمان يا طوني

    نض جميل وعميق.
    أعتقد أن أفضل وسيلة للحفاظ على الحب هو التواضع فيه.
    أن لا نضع تطلعات كبيرة وصعبة التحصيل
    أن لا نسعى وراء الكمال المادي، لأنه غير موجود،
    لن نشعر في أي وقت بالاكتفاء ولو عاش كل واحد منها مئات السنين
    يجب أن نتسلح بالكمال الروحي
    انظر إلى أعماق كل انسان تصادفه،
    وعندما ترى روحاً جميلة قادرة على التواضع كما تتواضع أنت
    لا تفرط بها، بل تمسك بها قدر الإمكان
    هذه الروح الجميلة هي انعكاس لروح الكون على الكوكب
    وكم هي كثيرة تلك الانعكاسات

التعليقات مغلقة.