تغيير العالم أم إيجاد مكان لنا في العالم؟

*

طوني صغبيني

*

هنالك غالبية منّا ولدت في عالم يعادينا حتى قبل أن نخرج من أحشاء أمهاتنا. ما أن نفتح أعيننا على العالم حتى ندرك أن نظامه مصمّم لكي يستمرّ من هم تحت في خدمة من هم فوق من دون فوضى أو اعتراض – مهما عنى ذلك من آلام لا توصف لمن كان حظهم في الحياة أو يولدوا في عائلات من هم تحت. من الطبيعي بالتالي، أن يكون لنا الرغبة في تغيير العالم أمام هكذا واقع – بل الرغبة أحياناً بتدمير منظومته السائدة بالكامل، انتقاماً لما فعلته بنا. من الطبيعي أيضاً، أن تكون أولى أفكارنا حول تغيير العالم شاملة – بل شموليّة – نظراً للسطوة الكاملة للأزمة التي ولدنا من رحمها. هكذا نجد أنفسنا في الكثير من الأحيان نتخيّل تحقيق تغيير شامل يبدّل كافة أحوال الكوكب من شماله إلى جنوبه ويحوّله إلى جنّة على الأرض نعتقد أنها المصير الحتمي والذروة الطبيعية لتطوّر البشرية. وهذه الطريقة بالتفكير هي غلطتنا الأولى.

*

العالم لا يمكن أن يوجد في حالة من السكون

العالم الحيّ يتغيّر باستمرار – والمجتمعات البشرية أيضاً. بعكس ما تعتقده الأديان السماوية والشيوعية والرأسمالية-الليبرالية ، لا يوجد شكل نهائي للمجتمع البشري يتوقّف عنده عن التحوّل والتغيّر. مشكلة كلّ هذه الأيدولوجيات أنها  تؤمّن أنه كان هنالك نقطة بداية واضحة للبشر وتتوهم أن لهم نقطة نهاية واضحة أيضاً.

الأديان السماوية تعتقد أن المجتمع تشكّل بهذه الطريقة: بدأنا على الفطرة الأولى (كل الناس مؤمنين)، ثم دخلنا في الجاهلية والوثنية، ثم وجدنا الدين الذي أعاد الناس للسراط المستقيم، ثم جاهلية ووثنية مجدداً بانتظار يوم القيامة الذي سيعيد الأمور إلى نصابها. الشيوعية تؤمن بشكل مشابه أن الناس انتقلت من الفطرة الأولى (كل المجتمعات شيوعية)، ثم دخلت في العشائرية فالإقطاعية فالرأسمالية (الجاهلية الشيوعية)، وسيأتي فيما بعد يوم القيامة الشيوعي ليعيد الأمور إلى نصابها.

فكرة أن المجتمع البشري يمكن أن يصل إلى حالة من الجمود هي وهم. هل يستطيع أي إنسان منطقي تخيّل مجتمع لا يتغيّر ولا تحصل فيه أي أحداث أو تحوّلات؟ هنالك عدد هائل من العوامل المؤثرة على أوضاع البشر التي لا يمكن إيقافها ولا يمكن التنبؤ بها وبنتائجها مثل الكوارث الطبيعية، تغيّر المناخ، نضوب الموارد، الحروب، الأوبئة، والأزمات الاقتصادية….ألخ. من السذاجة أن نظنّ أن جنتّنا ستكون منأى عن هذه الأحداث، أو الاعتقاد أن جنّتنا يمكنها أن تخرج من هكذا أحداث بنفس الحالة التي دخلتها فيها من دون تغيير وتبديل. العالم لا يمكن أن يوجد في حالة من السكون، لكن الأيدولوجيات الشمولية تتمنى لو أنها تستطيع تحقيق ذلك، لأنها تعتقد أنه يمكن فرض إرادة واحدة على العالم، وهنا الخطأ الثاني.

*

لا يمكن فرض إرادة واحدة على العالم

سأذهب بعيداً هنا وأقول أن الصراع الأساسي والأهم في تاريخ البشر، كان صراع البرية الأولى مع المهووسين بفرض إرادة واحدة على العالم – كان صراع من يؤمنون بالعالم كمان حرّ وبرّي وجميل في وجه من يريدون إخضاع العالم لإرادة واحدة، لشكل واحد من العيش، لكتاب واحد، ونظام سياسي واقتصادي واحد – وهذا الصراع يستمرّ حتى اليوم.

العالم – ومنه أحوالنا البشرية – هو نتيجة لتفاعل آلاف العوامل التي لا يمكن لمجموعة بشرية واحدة أن تتحكم بها جميعاً. الأحرار يدركون ذلك ويريدون الحفاظ على ذلك في العالم، لكن من أعمتهم الأيدولوجية يؤمنون بالعكس تماماً. المشكلة هي أن الأيدولوجيين الذين يعتقدون أنهم فوق القوانين الطبيعية وأنهم يستطيعون تشكيل العالم وفقاً لفكرة في رأسهم، كانوا تاريخياً أسوأ الكوارث التي حلت على المجتمعات البشرية.

بناء “المدينة الفاضلة” هو حلم الحضارة بامتياز – أي أنه نتيجة صدمة الانتقال من حرية البرية التي أتاحتها مجتمعات الصيد والقطاف البدائية – إلى عبودية المدينة – التي كانت الشكل الاجتماعي الأول القائم على تقسيم العمل وسيادة طبقة من الناس على طبقة أخرى. هنالك عدد لا يحصى من الفلاسفة والحكّام الذين قاموا بمحاولاتهم الخاصة لبناء مدن فاضلة عبر التاريخ. بعض هذه المحاولات انتهت بانتاج بعض من أهم الأعمال الفلسفية في التاريخ البشري، لكن غالبيتها انتهت بأسوأ حقبات الظلم والاضطهاد في التاريخ. أسوأ تلك المحاولات على الإطلاق كانت تلك التي قام بها أنبياء الأديان “السماوية” – الذين لا تزال أنهار الدماء تجري حتى اليوم بسبب إصرار أتباعهم على فرض نسختهم الخاصة من المدينة الفاضلة. الحقيقة هي أن كل من تسلّم زمام السلطة في محاولة لفرض إرادة واحدة على المجتمع انتهى بالوقوف مهزوماً فوق جبال من الموتى: ستالين، هتلر، ماو-تسي تونغ، وأنبياء وخلفاء وملوك الأديان السماوية.

هل يعني هذا أننا يجب أن نتخلى عن فكرة تغيير العالم؟ لا، العكس تماماً.

*

نحن نغيّر العالم كلّ يوم

العالم يتغيّر كل يوم. إنه حصيلة تفاعل آلاف العوامل، وهنالك عشرات الأشياء الجديدة التي تولد كل يوم وتغيّر العالم قليلاً باتجاه أو بآخر. لا بد من الاستمرار بتغيير العالم لأن العالم ببساطة يتم تشكيله وتغييره كل يوم – وهنا جوهر المسألة: علينا أن نتصالح مع فكرة أننا جزء بسيط من العالم – ولسنا أسياده ولا نحن مسؤولون وحدنا عن مصيره ومصير كل شيء وكل شخص فيه. علينا أن نحطّم وهم وجود أيدولوجية سحرية واحدة أو مجموعة بشرية مختارة مسؤولة وحدها عن تحديد مصير العالم بأكمله.

ليست مصادفة أن أكثر من يؤمن بتغيير العالم دفعة واحدة هو الأقلّ فاعلية على الإطلاق في تحقيق أي تغيير يذكر. نجد الكثير ممن يؤمنون بتغيير العالم يقضون وقتهم على بوستات فايسبوك وتويتر يتفلسفون حول آخر أحداث الولايات المتحدة ويحملون هموم جائعي أفريقيا ولا يحرّكون ساكناً لزرع بصلة على شرفتهم  أو مساعدة محتاج في شارعهم أو التحدّث عن هموم أفراد عائلاتهم الذين يعيشون معهم في نفس الغرفة. ليست مصادفة أيضاً أن أكثر الحركات التي تؤمن بتغيير العالم دفعة واحدة لا تفعل شيئاً سوى النشاط الالكتروني والاحتجاجات الصاخبة التي لا نتيجة فعلية منها.

فيما كان اليساريون والليبراليون والعلمانيون والتحرّريون يحلمون خلال السنوات الماضية بتغيير العالم بشكل تجريدي وفكري، كان هنالك مئات الحركات الدينية واليمينية التي شرعت ببناء نفسها ومجتمعاتها ومؤسساتها. النتيجة هي أن أفواج المثاليين المؤمنين بتغيير العالم اليوم لهم تأثير شبه معدوم على العالم مقارنة مع الذين عملوا في السنوات الأخيرة على تقوية قبيلتهم الخاصة.

قد يتساءل بعض المثاليين هنا: ما العمل إن كنّا غير مسؤولين عن مصير العالم؟ التصالح مع هذه الفكرة لا يعني أن نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وأفكارنا وناسنا، بل العكس تماماً. تحرير أنفسنا من وهم تقرير مصير العالم، يعني أن نتحرّر من إضاعة الوقت في النظريات، وتوجيه جهودنا إلى الشيء الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على مستقبلنا والذي يمكن أن يساهم حقاً في تغيير العالم: قبيلتنا نحن.

*

نغيّر العالم بإيجاد مكان لقبيلتنا فيه

الحقيقة هي أن البشر كانوا، ولا زالوا، قبائل. بعضها له أشكال حديثة – كالجيوش والأحزاب السياسية وروابط مشجعي كرة القدم – وبعضها يحافظ على أشكاله القديمة كالعشائر والأحزاب الدينية والعائلات التقليدية. كيفما كان شكلها الحالي، القبيلة هي قبيلة، تضع مصالحها أولاً. حتى ولو كانت لدى بعض القبائل وهم إخضاع العالم بأجمعه لإرادتها، عملها الأساسي دائماً منصبّ على بناء نفسها والدفاع عن ناسها وحدودها أولاً. جزء كبير من الواقع الحالي هو نتيجة تفاعل وصراع هذه القبائل، وحين ننظر إليها سندرك أمراً بسرعة: كل القبائل التي تشكّل العالم اليوم هي قبائل أعدائنا. هذا هو السبب الأساسي لماذا مساهمتنا شبه معدومة في هذا العالم: ليس لنا من قبيلة تحمل رايتنا.

هنا السؤال طبيعي: أين هي قبيلتنا؟ أين هي قبيلة من لا قبيلة لهم؟ أين هي قبيلة الغجر الذين يعيشون في غربة عن أديانهم وثقافاتهم وروح عصرهم بأكملها؟ أي هي قبيلة أولئك الأحرار الذين يتخذون من الشمس والحرية والحب مرشداً لهم في الحياة؟ في ظلّ دخولنا في العصور الظلامية المتمثلة بأزمة اقتصادية طويلة الأمد وهيمنة الأيدولوجيات الدينية والعرقية المتشددة، ماذا سيكون مصير الحرية والعقل والعلم والثقافة والجمال والجسد إن كانت قبيلتنا غير موجودة؟ فلنطرح سؤالاً أقرب إلى حياتنا: ماذا سيكون مصيرنا نحن كأفراد خلال  السنوات المقبلة إن لم يكن لدينا قبيلتنا الخاصة التي تحمي استمراريتنا في وجه كل هذه الفوضى التي تريد القضاء علينا وعلى كل ما يمت للحرية والبرية بصلة؟

لا نحتاج حالياً لتغيير العالم بأكمله، بل نحتاج لإيجاد مكان لنا في هذا العالم، ولخلق القبيلة التي تستطيع الحفاظ على النور في عالم ينزلق بسرعة نحو الظلمة. العالم قبائل ، وخلق قبيلتنا الخاصة وإيجاد مكان لها في هذا العالم، هو تغيير للعالم. نحتاج للقليل من الخميرة فقط لكي نصنع مها العجين، وهكذا نحلم لقبيلتنا أن تكون: خميرة أمل لهذا العالم.

6 comments

  1. عروة · 20 Days Ago

    سأقتبس لكريشنامورتي من مقال -في معرفة النفس*-
    -الحقيقة هي التي تحوِّل، لا العمل الفوري؛ ووحده اكتشاف كلِّ واحد للحقيقة سيجلب السعادة والسلام إلى العالم. الحياة في العالم، لكنْ من غير أن نكون من العالم، هي مشكلتنا؛ وإنها لمشكلة سعي مخلص، لأننا لا نستطيع أن ننسحب، لا نستطيع أن نزهد، بل علينا أن نفهم أنفسنا. –

    و اقتباس آخر من مقال -الخروج على بنية المجتمع*-
    -في العالم أجمع، هنالك تمرُّد، لكن ذلك التمرد لا يتم عبر فهم بنية المجتمع برمَّتها، وهي ذاتك أنت. ذلك التمرد مجزَّأ؛ أي أن المرء قد يتمرد على حرب بعينها، أو يقاتل سواه ويقتله في حربه المفضلة، أو يكون مؤمنًا دينيًّا ينتمي إلى ثقافة أو جماعة بعينها – كاثوليكية، پروتستانتية، هندوسية، أو ما شئتم. لكن التمرد يعني التمرد على البنية برمَّتها، لا على جزء بعينه من تلك الثقافة. وحتى يفهم المرء هذه البنية برمَّتها، عليه أن يكون واعيًا بها أولاً، عليه أولاً أن ينظر إليها، أن يعيها – أي أن يكون واعيًا بها من غير اختيار. لا يجوز لك أن تختار جزءًا بعينه من المجتمع وتقول: “أستحب هذا، لا أستحب ذاك، هذا يسرُّني وذاك لا يسرُّني”؛ فأنت عندئذٍ تنصاع لنموذج بعينه وحسب وتقاوم النموذج الآخر، وبالتالي، لا تزال عالقًا بالصراع. –

    الثورة الحقيقية هي ثورة الوعي كما قال كريشنامورتي، الثورات السطحية مثل الربيع العربي مثلا، ليست إلا رد فعل يائس، اي محاولة تغيير لنظام العالم هي فاشلة، و أيضا خلق قبيلة لنا، هي -و لا أقصد الإهانة- رد فعل آخر يائس، لأنها تنطلق من نفس الإطار، أي أننا نحاول التغيير بنفس البرمجة التي تعرضنا لها لملايين السنين، نخلق -نحن- و -هم- و نتفادى الشعور بالغربة، بالوحدة، بقلة الحيلة، فنرتمي في أحضان مجموعة أخرى نخلقها، الثورة الحقيقية هي ثورة وعي، أي التحرر من كل إشراطات الإنسان، من الأديان و المعتقدات و الأديولوجيات، و ايضا من إشطاراتنا النفسية، الخوف، الأمل، الرغبة، محاولة أن نصير شيئا آخر، هي وحدها ثورة لإنقاد الإنسان، الطبيعة جهزت كل شيء لنا، إلا قفزة واحدة بقيت لننهي مسيرة التطور، -السوبرمان- كما تنبأ به نيتشه، و لا سبيل لها إلا بثورة الوعي، أن نتدارك خطأنا، حين ارتمينا للخارج و نسينا أن السر في الداخل، حين تتحلل هده الكتلة من الدكريات و الإشراطات التي نسميها -أنا- فتصير إرادتنا هي إرادة الكون، و نشاركه رقصته في استكشاف نفسه، عالم المستقبل هو حين يصير -الأنا هو الآخر- كما قال رامبو، هدا هو السبيل لإنقاد العالم من جنونه و إلا أنا يقين بأن الإنسانية ستنتهي، حين نتجاوز وهم الإنفصال و ندرك أننا نحن العالم، نحن المجتمع، وعي الفردي ليس منفصلا عن وعي الإنسانية المشترك، هدا واجب كل إنسان، أن يحرر نفسه، ففيه حرية العالم، و هدا واجب فردي جدا، أقاتل من أجل حريتي، من أجل قطي الأسود، من أجل أن أمارس الحب مع صديقتي دون أن يزعجني أحد، من أجل أن استمع لبينك فلويد دون أن يزعجني الجار بصراخ تلفازه، ربما نود قول نفس الشيء في آخر المطاف، لكني أضن أنه من أجل أن يكون المرء حرا لابد أن يكون وحيدا، و ما اقصد بالوحدة، أن يكون وحيدا في أعماقه، لانتماء لاي شيء، لأي قبيلة كانت، ربما تلتقي الطرق بأصدقاء يخوضون حربهم ضد العالم، لكن الطرق تلتقي لتبادل السلام، ربما مشاركة قنينة نبيد دات ليلة و الرقص كغجر، استراحة محارب، لكن في الصباح يعود كل شخص لحربه من أجل حريته، أن تكون حرا معناه أن لا تلبث كثيرا في مكان ما حتى تكون قبيلة، أتعرف حين أرى العالم كقصة من البداية، أجد جزءا من الأحجية، في كلام المسيح، في شعر جبران، في حكمة كريشنامورتي، في تمرد رامبو، في كتب كولين ويلسون، في جون لينون، في كتب نيتشه، في المتشرد في آخر الشارع الدي يرفض العمل، في الإفريقية التي ترقص بظفائرها في محطة الحافلة، هناك قبيلة مند بداية القصة، و الكل يشارك بجزئه من الأحجية، قبيلة لا تشارك نفس الزمن، لانفس المكان، لا نفس اللغة،

    المقال دكرني بأحد المقاطع على يوتوب، Timothy Leary: You Aren’t Like Them – Find The Others.

    -لكل إنسان محيطه الخاص الذي يضم ما يخصّه من أشياء وأشجار، من حيوانات وبشر وأفكار، وهو يتحمّل واجب إنقاذ هذا المحيط، عليه وحده دون غيره تقع المسؤولية، وإذا لم يتم إنقاذ المحيط، فلا خلاص لصاحبه-
    كازانزازكيس، تصوف، منقدو الآلة

    شكرا على المقال صديقي،

    • Adon · 18 Days Ago

      عروة العزيز، شكراً على تعليقك المفصل صديقي.
      اتفهم وجهة نظرك لكن نختلف تماماً على هذه النقطة، اعتقد أن الإيمان بثورة وعي هو وهم كبير أثبت فشله مراراً وتكراراً عبر التاريخ.
      لدي مشكلة جدية مع فكر كريشنامورتي، لأنه يحتوي رفض هائل للطبيعة (البشرية والطبيعة ككل). ما تصفه أنه “برمجة تعرضنا لها لملايين السنين” هو طبيعتنا البشرية – نحن كائنات اجتماعية ولا يمكن أن نكون أفرادا منفصلين – والوعي الحقيقي هو الذي يقوم على فهم طبيعتنا هذه لا على رفضها. لا اعتقد أننا يمكن أن نكون أفراداً أحرار منفصلين وحدنا في الوجود، غير مرتبطين بالأرض وغير مرتبطين ببعضنا البعض، والقصّة والمغامرة في هذه الحياة ليست أمراً يجب أن نمرّ فيه كأفراد وحيدين (رغم أنه هنالك أجزاء من الدرب ستكون وحدنا) ولا أجد أن القبيلة هي شيء متعارض مع حرية الفرد التي تتحدث عنها – لكن ذلك حديث طويل أكبر من تعليق واحد.

      تحياتي

  2. محمد فوزى · 18 Days Ago

    بشكل ما كلامك صحيح وبشكل اخر خاطئ ودا تقريبا يمشى ايضا على ما انتقدته من ايداوجيات وأديان فكثيرا ما رأينا من داخل نفس الدين او اﻻيدلوجية يخرج اثنان متعارضان تماما فى افعالهم احدهم يؤمن باﻻنسان والطبيعة والخير الخ واﻻخر العكس.
    مشكلة التنظير انه دائما ما يقع أسير الثنائيات والعناوين يعنى مثلا على الجانب اﻵخر من طرحك أﻻ يكون المنتمى لجيش أو منظمة متطرفة ما قد وجد قبيلته كما قلت اﻻ يسعى دائما لخير العالم كله من خلال خير قبيلته اذا ما مشكلتنا معه هل عليك أن تنصحه أن يبحث عن قبيلة أخرى ﻷن قبيلته ﻻ تروقك ولكن هو يرى أنك أنت من عليك أن تفعل ذلك وهذا يقودنا لنقطة أخرى اليست تلك القبيلة ككيان اجتماعى له هوية يذوب فيها الفرد بشكل ما تخضع هى اﻷخرى لقوانبن ما فيمكن مع الوقت أن تمسخ الفرد فيها ويمكن أن تحارب القبائل اﻷخرى وتسعى للتوسع وغيره حتى لو بدأت من نقطة معادية لكل هذه اﻷفعال ألم يحدث ذلك بالفعل وكلنا رأيناه ما الضامن لأﻻ يحدث ذلك، على حد علمى ﻻ يوجد ضامن موجود فى جوهر القبيلة بما تمثله فى مقالك يمنع حدوث ذلك إذا خى ليست قيمة جوهرية فى حد ذاتها.
    على المستوى العملى أو التكنيكى كلامك جميل جدا ومطلوب فعلا ولكنه إن لم يكن فى ظل إطار أكبر ينظم رؤية هذه القبيلة لنفسها وللإنسان والعالم فستقع أسر التجربة اﻹنسانية/اﻹنسانوية وهو ما لسنا فى حاجة لسرد كل وقائع التاريخ والحاضر لكى نقول بأنها ﻻ يمكن الوثوق بها

    • Adon · 16 Days Ago

      طبعاً اتوقع من الأفراد المعاصرين أن يشككوا بأي محاولة جماعية وبأي شيء أكبر من الفرد، فرفض أي هوية أو تجربة جماعية هو من سمات العصر. يبدو من تعليقك أنك لا تزال تبحث عن فكرة ما أو رؤية ما هي “ضمانة” كما تقول، يتم تنظيم العالم عبرها لتجنب ما تعتقده أنه سلبي ويبدو أنك تؤمن أيضاً أن العالم يتقدّم بشكل خطّي إلى الأمام – حيث يجب أن نتقدم من البربرية والصراعات القديمة إلى عالم مسالم لا صراعات فيه (أو كما وصفته أنت “التجربة الإنسانية”) – وهذه كل الغاية من المقال الذي نناقش فيها أن هذا الإيمان هو وهم.
      توهم أن العالم يجب حتمياً أن يصل إلى حالة من السلام والتقدم والرخاء ووضع كل الأشياء “السلبية” في الماضي، وأن كل رؤيا وكل قبيلة يجب أن تنصب دائماً في هذا الاتجاه اليوتوبي، هو تحديداً ما تحدثت عن ضرورة رفضه في هذا المقال.

      • محمد فوزى · 15 Days Ago

        عزيزى طونى
        يبدو أننى لم أستطع أن أقول وجهة نظرى بشكل جيد فلم تفهمنى جيدا ولذلك سأحاول الايضاح
        أولا: انا بالفعل متفق معك تماما فى وجوب وجود جماعة أو قبيلة يتنمى إليها الفرد تكون بمثابة مرآة يرى الفرد فيها نفسه ففى النهاية الفرد لا يستطيع أن يعى نفسه بدون الأخرين وبدون العالم والطبيعة كذلك الجماعة او القبيلة مهمة لأنها أرض العمل لكل افكار الخير والجمال فالفرد السوى ليس هو من لا يظلم أو يجرح أحدا لأنه لا يخرج من البيت ولكنه من يتفاعل مع قبيلته وعالمه من خلال تلك القيم وبالتالى أنا لست كما وصفتنى أحد هؤلاء “الأفراد المعاصرين” الذين لا يؤمنون بما هو اكبر من الفرد صدقنى انا بالعكس تماما.

        ثانيا: من أين سيتقى هذا الفرد قيم الخير والجمال والتعاون وغيرها اليس من محددات معينة يعتبر أكبرها هو المجتمع المحيط أى تلك القبيلة ماذا لو كانت تلك القبيلة تحضه على الخير داخلها والقتل والسلب ان توجه فعله لخارجها أليس من المطلوب حينها وجود ما هو أكبر من القبيلة الا يكون على الفرد حينها أن يتجاوز قبيلته ويتمسك أو يلتحم بما هو أكبر (لاحظ أننى ربما لا أكون أرد على كلامك بشكل مباشر ولكنى أخذته على استقامته لنرى ماذا يمكن أن يحدث حينما نطبق الأفكار على أرض الواقع وهنا ربما تكون أنت اليوتيوبى وانا من أرفض اليوتيوبيا 🙂 )

        ثالثا: هناك بعض الافتراضات فى طرحك ربما لم تقلها بشكل مباشر ولكنها تمثل البناء التحتى لكلامك (انا مش ماركسى والله بس اسمحلى استخدم مصطلح البناء التحتى 😀 ) وهذه الافتراضات هى أن الإنسان كان يعيش بتحرر وتحقيق كامل لإنسانبيته الخيرة ايام كان هذا الانسان “برى/همجى/طبيعى/على الفطرة” يعيش ضمن قبيلته الصغيرة يصطاد ويجمع الثمار ثم يعود ليلاطف صغار القبيلة ويمارس الحب مع نساءها وربما يعزف الناى قليلا ثم يتسامر مع الأصحاب ثم ينام ثم نزل هذا الإنسان إلى أرض الحضارة والتحكم واللاانسانية (بفعل خطيئة ما ربما) وما علينا إلا أن نعود بهذا الإنسان البائس من لوثة الحضارة إلى تلك الجنة الأولى، أليس هذا هو معكوس ما تنتقده أصلا .

        رابعا: كنت مصيبا حين قلت “عنى يبدو من تعليقك أنك لا تزال تبحث عن فكرة ما أو رؤية ما هي “ضمانة” كما تقول، يتم تنظيم العالم عبرها لتجنب ما تعتقده أنه سلبي” فأنا بالفعل لا أملك اجابات محددة فى ذلك الموضوع بقدر ما املك أسئلة واشارات تجعلنى أرفض بعض الاجابات وربما استريح لبعض آخر وبهذا فقد كنت مصيبا فى تحليلك لشخصيتى من خلال تعليقى وأشكرك على ايضاحك لى ذلك الجانب من نفسى فاسمح لى أن يساعد كلا منا الآخر وأحاول فعل نفس الشيئ معك 🙂 ، لماذا ضممتنى إلى أحدى المجموعات أو القوالب التى تسميها الإنسان المعاصر بدون أن تعرفنى حتى بل بدأت تعليقك بهذه الكلمة هل ترانى كفرد من قبيلة أخرى غالبا ما يجانبه الصواب مثلا أم ماذا أليس هذا هو بالضبط ما يفعله أصحاب الفكر المغلق من ايدلوجيات وأديان وهو أنه يسارع أول ما يفعل بقولبة الشخص الآخر ثم يبدأ فى التعامل معه وخصوصا أنك لم ترد على كلامى بشكل مباشر بل اكتفيت بتصنيفى ثم اطلاق بعض الاحكام على بعضها صحيح وبعضها غير صحيح، ولكنك لم تتفاعل مع الفكرة التى كتبتها لك
        خامسا وهو الأهم: صدقنى لم أكتب ذلك لك من باب الفزلكة ولا من باب أنى اريد أن اخوض صراع معك مثلا واهزمك فيه بالعكس تماما أنا ارى فيك شاب يحتذى به بل واكن لك الحب وأتفق مع الكثير من أطروحاتك وفى القلب منها هو معاداة الواقع البغيض الذى يعادينا قبل أن نولد كما قلت أتمنى لك كل الخير والتوفيق وأتمنى أن تجمعنا قبيلة واحدة يوما ما لأننى عندى بالفعل بعض ما اريد أن أقوله لك 🙂 .

  3. زاهر · 12 Days Ago

    صحيح يا طوني. على ما يبدو للأسف أي تجمع بشري حتى يكون له صوت هادر يجب أن يتبنى إيديولجيا معينة دينية أو قومية أو فلسفية أو عرقية أو غيرها…الإيمان بهذه الإيديولوجيا هو ما يغذي زخم وتعصب هذه المجموعة ويؤمن لها التمويل من الأغنياء المؤمنين بها. ما رأيك؟
    نقطة بسيطة أخرى, ولكنها ذات مضمون خفي, أليس من الأفضل استخدام مصطلح أديان إبراهيمية أدق موضوعيا من مصطلح أديان سماوية 😉

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s