العودة الى العالم الحقيقي

هكذا يبدو “العالم الحقيقي” معظم الوقت.

*

طوني صغبيني

*

“كيف تشعر حيال العودة إلى العالم الحقيقي؟”.

بعد ثلاثة أشهر من البطالة، طرح علي صديقي هذا السؤال. أعلم أن نواياه حسنة، لكنه ذكرني أنني سمعت جملة مشابهة خلال رحلة في الغابة في النيبال منذ بضعة أعوام. “لا أصدق أنه علي مغادرة هذا المكان والعودة إلى العالم الحقيقي بعد أسبوع” – هكذا قالت إحدى المسافرات معنا في الغابة.

بعد سماعي للعبارة، فكرت بهذه الكلمة كثيراً: “العالم الحقيقي”. العالم الحقيقي. ما هو العالم الحقيقي؟ ولماذا تعتبر ثقافتنا أنه هنالك أشياء في عالمنا تنتمي لعالم حقيقي فيما نعتبر أشياء أخرى فيه كأنها أوهام وخيالات؟

بتعبير أكثر قرباً من واقعنا: لماذا نعتبر أمور مثل العمل، الزواج، السعي وراء الممتلكات والترقيات، الدين، وما شابه، أشياء تنتمي للعالم الحقيقي، فيما نعتبر أمور مثل الراحة، الحرية، البرية، الرقص، الحب الدافىء والاستقلالية الذهنية والمادية عن الثقافة السائدة هي أشياء تنتمي لهامش العالم – أو لعالم غير واقعي وخيالي.

*

إن كان الواقع السائد هو “العالم الحقيقي”، لماذا يحاول الجميع الهروب منه؟

هنالك اعتقاد غريب، موجود خصوصاً لدى الأفراد المهووسين بمهنهم والمسحورين بامتلاك أفضل وأحدث الأشياء المادية، بأن كل ما نفعله خارج مهنتنا وخارج التزامنا بالدين والعائلة والوطن، لا يعدّ شيئاً. مجتمعنا يعتبر أن العاطل عن العمل لا قيمة له، أن غير الملتزم بالدين يضيّع حياته هباءً، أن غير المتزوج هو إنسان سيء أو غير جدّي في الحياة، وأن الشخص الذي يقضي وقته في الراحة والاستجمام بدل إفناء نفسه في وظيفة هو شخص واهم وكسول.

هنالك غمامة قاتمة تحيط بحياتنا اليومية، حيث أننا جعلنا من الوظيفة والدين والزواج والثقافة وكل الحياة، سلاسل تشدّ على رقابنا وأيادينا وتقتلنا كلّما حاولنا التحرك. رغم ذلك، يبدو أن مجتمعنا يعتقد أن هذه الغمامة هي ما يجب أن تكون عليه الحياة دائماً، وكل من يحاول أن يتمرّد عليها أو يهرب منها يتعرّض للرفض والنبذ والسخرية.

العالم الحقيقي بالنسبة للثقافة السائدة هو عالم الخنوع في الشارع أمام خوذة العسكر والخنوع في الجامع أمام عمامة الشيخ وإلهه الغاضب أبداً، والخنوع في المكاتب أمام المدراء، والخنوع في الحياة أمام قروض البنك وأقساط المدارس، والخنوع في المنزل لسلطة الزوج أو مزاج الزوجة، فيما نملأ مواقع التواصل الاجتماعي بصورنا المبتسمة وصور أكياس التسوق وفيديوهاتنا الذكية ويغرق كلّ منّا بوحدته واكتئابه أكثر وأكثر.

الثقافة السائدة مراوغة؛ تقول لنا “الخروج من السيستيم هدف نبيل لكنه مستحيل”. لا مانع لديها من أن يحلم الآلاف من سكانها بمنزل لطيف في الريف مع مكتبة دافئة وحديقة صغيرة وحياة هانئة لا يوجد فيها دوامات عمل وزحمات سير وربطات عنق وكعوب عالية. لا مانع لديها حتى من قيام أفرادها بعيش هذه الحياة أنفسهم، فما يهمها حقاً هو أن تحافظ على إيمانهم بها، تريدنا أن نؤمن أنها هي العالم الحقيقي، وأن كل ما هو خارجها هو وهم. هذا هو انتصارها الحقيقي: أنها أقنعتنا، أن هذه الحياة الكئيبة ، الباردة، المثيرة للشفقة التي نعيشها، هي العالم الحقيقي وهي ما ستكون عليه الأمور دائماً من الآن وإلى الأبد.

لا مانع لديها أن يكون كل “العالم الحقيقي” هذا قائم على أوهام فوق أوهام؛ لا مانع لها أن يكون واقعها هو ابتسامات مزيفة في وظائف لا فائدة منها، هو قبل مزيفة في علاقات زوجية وعاطفية لا دفء فيها، هو حياة بأكملها نقضيها خائفين وغاضبين وحزينين لأن كل ما عرفناه (وخصوصاً جيلنا الحالي) هو كارثة وراء كارثة. لا مانع لديها من كل ذلك، طالما أن الكل يؤمن بها ويقوم بدوره فيها.

السيستيم القائم يعرف نفسه جيداً، لكن ما يذهلني هو كيف يصرّ الناس على اعتباره “عالماً حقيقياً” ويستمرّون بعيش حياتهم فيه من دون صراعات. هذا العالم هو مكان يتمنى فيه الجميع لو كانوا في مكان آخر، ويعيش فيه الجميع وهم يحلمون أن تكون حياتهم مختلفة. هذا العالم هو مكان يقضي شبابه سنواتهم في انتظار انتهاء المدرسة – السجن ، ويقضي الراشدون سنواتهم في انتظار ورقة يانصيب رابحة للخلاص من الوظيفة – السجن، أو يصلّون يومياً لأعجوبة ما تغيّر حياتهم  قبل استيقاظهم غداً وعودتهم للواقع المزري نفسه. كيف لم تحرقوا هذا العالم بعد؟

أعلم الجواب العقلاني على سؤالي السابق، ففي نهاية المطاف علم السياسة وديناميات التغيير هو اختصاصي الاكاديمي وشغفي الأساسي في الحياة، لكنني لا أفهم الأمر على المستوى العاطفي.

* * *

طبعاً هذا لا يعني أن العالم “الحضاري” الحقيقي هذا ، خالٍ تماماً من الدفء والجمال، لكن الدفء والجمال فيه هي أمور موجودة رغماً عنه لا بسببه. الدفء في صبية اشترت ثياب للأيتام في المدينة هو دفء يحصل رغماً عن سيستيم يخلق الأيتام والفقراء باستمرار. الدفء في غمرة أب منهك يعمل في وظيفتين ليعيل عائلته هو دفء يحصل رغماً عن سيستيم يطلب من الآباء إفناء حياتهم لإطعام أولادهم. الدفء في امرأة صارعت منفردة شرطة اللحى وثقافة الحرام في سجن صحراوي كبير هو دفء يحصل رغماً عن سيستيم لا يخلق سوى الصحارى ولا يزدهر سوى على المحرّمات.

الدفء في الطالب الذي قضى سنوات شبابه يحمل السلاح دفاعاً عن أهله أو يكافح عصا الشرطة ويصرخ بوجه المحتل في الشارع ليغير واقعه قليلاً هو دفء يحصل رغماً عن سيستيم يشن علينا حرباً مستمرة عبر أنظمته واقتصاده وثقافته. الدفء في الشمس التي تخرج لتحيينا كل يوم وفي الأمطار التي تسقي أرضنا وفي الرياح التي تعطينا أنفاسنا هو دفء يحصل رغماً عن سيستيم يريد تسميم وتعليب كل شيء وبيعه بثمن.

هذا الدفء هو ما يشفع قليلاً لهذا العالم – إنه علامة ثمينة تدلّ على قوّة الحياة المدفونة تحته. في الواقع، أوافق على الجملة التي تقول “علينا العودة إلى العالم الحقيقي”، لكن ليس بالمعنى الذي يقصده أولئك المدمنون على الحضارة الحالية.

علينا ترك عالم السجن والوهم هذا والعودة إلى العالم الحقيقي، عالم البرية والشمس والحرية واليسر الحياتي، عالم المجتمعات الحرة والاكتفاء الذاتي والوفرة الاقتصادية والراحة الجسدية والنشوة الذهنية والامتلاء الروحي. عالم نعمل فيه لنعيش، لا نعيش لنعمل، عالم يمكن أن يكون لنا جذور فيه، جذور مع الناس ومع الأرض ومع التفاصيل الصغيرة من حولنا، لا عالم نعيش فيه مشردين مبعدين غرباء. عالم من دون مدارس وسجون ومكاتب وحكومات وعمامات تحدد لنا حياتنا وتقرر مصيرنا عنّا. قد يكون عالم البرية هذا ضرباً من الوهم والجنون بالنسبة لمعظم من يقرأون هذه السطور، لكن هذا العالم كان الحقيقة لمئات آلاف السنين بالنسبة لجنسنا البشري، وكل ما بنيناه من أوهام خلال حضارتنا هذه لا يتعدى دقيقة قصيرة في عمر البشر.

نحن كبشر، ننتمي لهذه الأرض الجميلة، نحن مجرّد مخلوق واحد من مئات آلاف المخلوقات التي (كانت) تعيش بيسر وسعادة. كل المخلوقات تغني وترقص وتتزاوج وتلعب وتعيش حياتها في تناغم مع دفق الحياة. حين تجوع، تطير قليلاً أو تتنزه في الغابة وتجد طعامها، ثم تعود لحياتها الهانئة. نحن البشر الوحيدين من بين المخلوقات الذين وضعنا أنفسنا تحت نظام يجعل حياتنا جحيماً ويجبرنا على الكدح لتحصيل لقمة عيشنا.

العودة إلى العالم الحقيقي ليست مجرد حلم جميل أو فكرة نبيلة نحلم بها مرّة في العام، بل هو طريقنا الوحيدة للاستمرار كجنس بشري قبل أن يتداعى السجن الذي بنيناه على رؤوسنا. لا يمكنني أن أتخيل ثقافة أكثر مرضاً من تلك التي يعتقد ناسها أن كل ما هو جميل يقع خارج حدود العالم الحقيقي، ثقافة عالمها “الحقيقي” هو مرادف للكابوس. علينا أن نبني عالماً حقيقياً نحب العيش فيه، لا عالم “حقيقي” نحاول الهروب منه كل يوم.

 

8 comments

  1. jakanim · سبتمبر 21

    السلام عليكم ,
    احييك على مقالاتك المثيرة دائما . اريد ان اضيف فقط ان” العالم الحقيقي” الذي نعيش فيه هو عالم مفروض علينا لدرجة انه اكتسب وصفه بالحقيقي , ولو وجد عالم ثان اكثر انسجاما مع الحياة و يراه الناس في واقعهم المعاش لسمي بالحقيقي والاخر بالمزيف ,

    • Adon · سبتمبر 25

      أوافق تماماً، من الطبيعي ان نؤمن بالبديل حين يكون هكذا بديل موجوداً.
      سلامي

  2. نجمة قطبية · سبتمبر 24

    كيف نندمج مع الواقع و تفاصيله الصغيرة إذا ما كان هذا الواقع قاسيا و محصورا بين 4 جدران بشكل قهري لا مفر منه ؟
    تفاصيل حفظتها عن ظهر قلب حد الملل ، الاندماج مع الحياة الواقعية و تفاصيلها يكون فقط حينما يكون هذا الواقع عبارة عن عالم الطبيعة الذي تجذبنا لاستكشاف مفاتنها و تقصي مفاجآتها المدهشة

    • Adon · سبتمبر 25

      الواقع الذي تصفيه هو تحديداً ما اعتقد أنه يجب تغييره ومواجهته لبناء عالم حقيقي نريد فعلاً العيش فيه.
      سلامي نجمة

  3. Nola · سبتمبر 24

    أنت عالم حقيقي لها.

    • Adon · سبتمبر 25

      3> واكتر بكتير

  4. ahmed199134 · سبتمبر 24

    شكرا سيد طوني على هذه المقالة الرائعة ……… لدي سؤال هل لديك نسخة pdf من كتاب الازمة الاخيرة لقد بحثت عنه كثيرا ولم اعثر عليه اذا كان لديك ارجو ان ترسله لي عبر بريدي الالكتروني وشكرا

    • Adon · سبتمبر 25

      نعم لدي نسخة الكترونية لكن ارجو مراسلتي على الايميل لتوفيرها.
      الايميل متوافر على صفحة الاتصال بي على المدونة.
      سلامي

التعليقات مغلقة.