قيادة المرأة للسيارة أمر دخيل على ثقافتنا… وقضايا أخرى

امرأة سورية تخلع النقاب بعد التحرر من داعش. من أكثر الصور المعبرة عن موضوعنا هنا.

***

*

طوني صغبيني

*

عندما زار مالكولم إكس[1] بيروت في العام 1964، كان له التعليق التالي:

“حين مشيت في الشارع، تصرفات وملابس النساء اللبنانيات لفتت نظري فوراً. في الأرض المقدسة (يقصد السعودية)، النساء هناك كنّ متواضعات جداً، عربيات وأنثويات جداً وشعرت بتناقض بارز مع أولئك النساء اللبنانيات النصف-فرنسيات والنصف-عرب اللواتي عبّرن في تصرّفاتهنّ ولباسهنّ عن حرية أكبر، وجرأة أكبر. رأيت بوضوح التأثير الأوروبي الواضح على الثقافة اللبنانية. شاهدت كيف أن القوّة الأخلاقية لبلد ما، أو ضعفه الأخلاقي، يمكن تقديرها فوراً من خلال تصرفات ولباس نساءه، وخصوصاً الشابات منهم”.

كلام مالكوم إكس ليس جديداً علينا في العالم العربي طبعاً، حيث أننا نسمعه مئات المرات كل يوم من شيوخ ثقافة العورة والحرام، لكن ما أريد معالجته اليوم هو الجملة التالية: “رأيت بوضوح التأثير الأوروبي الواضح على الثقافة”. هذه الجملة تعبّر عن فكرة سائدة في العالم العربي والإسلامي، وهي أن أشياء مثل الحرية والعقلانية واستقلال المرأة والتحرّر في اللباس والتفكير والفعل هو خزعبلات غربية دخيلة على ثقافتنا في العالم العربي ومتناقضة مع أخلاقنا وقيمنا الأصلية.

تعبيراً عن هذه الفكرة، نسمع يومياً الكثير من الهراء من شيوخ التحريم وقضاة الأخلاق الذين كانوا يقولون لنا أمور مثل أن السماح لقيادة المرأة للسيارة في السعودية هو دعوات غربية تهدف لتخريب ثقافتنا وإفساد نساءنا. غرابة تصريح كهذا ليست فقط بأن السيارة بحد ذاتها هي اختراع “دخيل على ثقافتنا”، بل هي في أن أولئك الذين نصّبوا أنفسهم حماة للثقافة والأخلاق هم أكثر الناس جهلاً بثقافتنا الحقيقي. النساء مثلاً، كنّ يمتطين الخيل والإبل قبل الإسلام وخلاله وبعده، وركوب النساء للخيل – أو قيادتهنّ للسيارة – هو الأصل في ثقافتنا وتحريم أمر كهذا هو الدخيل عليها. في الحقيقة، كل ثقافة التحريم والتكفير هي دخيلة على ثقافاتنا الأصلية في كافة أنحاء العالم العربي، وسأذهب للقول أن الأديان “التوحيدية” وأخلاقها وتشريعاتها هي كلها دخيلة على ثقافتنا، لأن ثقافتنا الأصلية هي ثقافة الحرية والحب والجمال والنبيذ والموسيقى والشمس والعلم والعقل والانتشاء الروحي بالوجود. فلنتحدث عن ذلك قليلاً.

*

أدياننا الأصلية هي أديان التعدّد والتسامح لا التشدّد والإنغلاق والتوحيد

هنالك مثل عربي في “الجاهلية” يقول: “عندما تدخل قرية أحلف بآلهتها”. المثل هذا هو جزء من ثقافة عربية نسمّيها نحن “جاهلية”، لكننا متأكدون من أمر واحد عنها، وهي أنها كانت قائمة على احترام آلهة وأديان الجميع. الثقافة “الجاهلية” تلك كانت مكّتها مركزاً لكافة طوائف وأديان الجزيرة العربية، قبل أن يأتي نبي أصرّ على هدم وقتل ونفي كل شيء مختلف عنه وإبقاء ألهه وحده فيها.  ثقافتنا الأصيلة، ونقصد بها ثقافة ما قبل الأديان التوحيدية، هي ثقافة تعدّد المعتقدات والأديان وثقافة الانفتاح لا ثقافة الانغلاق – حيث أننا لم نعرف اضطهاداً دينياً أو قلتنا بعضنا البعض باسم آلهتنا قبل أن يأتي “النبي” موسى من الصحراء ويجلب معه يهواه الغاضب.

الحديث عن أدياننا القديمة قبل اليهودية والمسيحية والإسلام يستوجب أكثر بكثير من مجرّد مقال واحد، لكن ما نريد الإشارة إليه باختصار أن هذه الأديان التوحيدية كانت انتصارات عسكرية وسياسية بحت وانكسارات فلسفية وثقافية هائلة، ولم تحصل عبر عمليّة تطوّر سلمي وطبيعي. كانت انتصار للسيف والسلطة بوجه الناس وحريتهم، انتصار لفكر التشدّد والتكفير على فكر التعدّد والتفكير، كانت انتصار للمطلقات الإيمانية على الحرية الروحية. كانت انتصار لثقافة الأجوبة النهائية على ثقافة السؤال والبحث، انتصار للكنيسة والجامع والكنيس على المكتبة والرواق ومعابد الهواء الطلق. كانت انتصار للكتب المنزلة المجمّدة في كلماتها على الفلسفة والكتابة والعلم الدائمي التحوّل والتغيّر. كانت انتصار للصحراء وإله الصحراء على الغابات والسهول والجبال والأنهار وآلهة الغابات والسهول والجبال والأنهار.

الباحث الألماني جان آسمان، الذي قضى عمره في أبحاث علمية عن الأديان القديمة، يوثّق جيداً الهزيمة الفكرية والفلسفية التي مني بها الشرق مع الانتصار السلطوي للفكر التوحيدي فيه – انتصار بدأ في مصر أولاً مع عبادة آمون ثم استمرّ مع اليهود والمسيحيين والمسلمين من بعدهم. يوثّق آسمان كيف أن أسوأ ما قدّمه التوحيد للعالم هي فكرة أنه يوجد دين محقّ ودين خاطىء – وهو تمييز لم يعرفه العالم قبل نشوء التوحيد. النتيجة الوحيدة لهذا التمييز عبر التاريخ كانت فكر التكفيرالديني الذي تُرجم على أرض الواقع بالعنف والاضطهاد وبألفي عام من الألم والموت.

ثقافتنا تفتخر كثيراً بأنها موطن نشوء الأديان التوحيدية، لكن الحقيقة هي أن الأديان التوحيدية كانت أسوأ ما قدّمناه للعالم على الإطلاق.

*

نساؤنا مقاتلات وملكات ومفكّرات لا “عربيات أنثويات خانعات”

نظرة واحدة لأي كتاب تاريخ عن بلادنا كافية لتخبرنا بأن ثقافتنا الحقيقية لم تكن يوماً ثقافة قمع النساء وسجنهنّ وراء عباءة سوداء والتعاطي معهنّ كفقّاسات للأطفال ومخلوقات أدنى درجة من الرجال. معظم آلهتنا القديمة هي إناث كنا نزور معابدهنّ ونطلب مشورتهنّ ونسمع حكمة كاهناتهنّ ونرقصن لهنّ ونشكرهنّ على خيراتهنّ لنا. ثقافتنا القديمة، رغم شوائبها العديدة، كانت ترى العالم وكل شيء فيه وقتها كما هو فعلاً: ثمرة تلاقح الطاقة الأنثوية مع الطاقة الذكورية – من دون أن تتوهم، كما نتوهم الآن، أن الإناث هم مجرد عبء على هذا العالم.تاريخنا السياسي أيضاً حافل بملكات غيّرن وجه العالم مثل زنوبيا وبترا، وصروحنا العلمية والفلسفية كان فيها أسماء مثل هيباتيا وثيونا وغيرهما.

نساء هذه البلاد كنّ كاهنات قبل أن أن تأتي ثقافة تعتبر حيضهنّ نجاسة. كنّ يحكمن ويعلّمن ويتعلّمن قبل أن تأتي ثقافة تعتبر شهادتهنّ مساوية لنصف رجل. نساء هذه البلاد كنّ يتملّكن ويتاجرن ويسافرن ويكتبن الشعر ويرقصن ويلبسن أجمل الملابس الزاهية قبل أن تأتي ثقافة تريدهنّ أن يجلسوا بين أربعة حيطان للعمر كلّه. باختصار، نساء هذه البلاد كنّ أكثر حرية قبل أن تأتي ثقافة معضلتها الكبرى هي إن كان يجوز تعطّر النساء قبل الخروج إلى الشارع. كلمة “اللات” كانت بركة لا شتيمة، والمرأة كانت مرأة، لا عورة.

*

رسم للآلهات العربيات الثلاث: اللات ومناة والعزى

ثقافتنا هي ثقافة الحياة وحب الحياة لا ثقافة عبادة الموت وانتظار يوم القيامة

تحدّثنا باختصار شديد عن مثالان فقط يظهران كيف أن ثقافة التحريم هي الثقافة الدخيلة علينا، لكن الامثلة لا تقتصر فقط على التسامح الديني والنظرة للمرأة. أينما نظرنا في مجالات الحياة سنرى تناقضاً صارخاً بين ما كانت عليه ثقافتنا الأصلية وما هي عليه الثقافة الدخيلة عليها: انتقلنا من مكتبات الاسكندرية وبغداد والاختراعات العلمية وصروح الفلسفة إلى داعية تلفزيوني يحاول أن يقنعنا أن الشمس تدور حول الأرض. انتقلنا من الثقافة التي اخترعت النبيذ والعرق ورقصة الدبكة إلى ثقافة التي تجلد أبناءها وتتوعدهم بالنار حين يفرحون ويعزفون ويرقصون. انتقلنا من ثقافة تحبّ الحياة وتحتفل بكل شيء فيها إلى ثقافة تخاف من الحياة وتحرّم كل شيء فيها… لكن انتصارهم لم يكن نهائياً.

في وجه كل هذا السواد الذي يكتسح حياتنا، لا بدّ من الإصرار على مغامرتنا لإعادة اكتشاف الحياة والحب والجمال، لا بدّ من الكفاح لكي ينفذ النور إلينا رغماً عن عشق هذه الثقافة الدخيلة للظلام. لدينا الكثير من الأمور الجميلة التي يمكننا أن نعطيها للعالم بعد. لذلك، في المرة التالية التي نسمع فيها شيخاً تقول أن قيادة المرأة للسيارات أو استماعنا للموسيقى أو ممارستنا للحب أو تعبيرنا عن الفرح هي أشياء دخيلة على ثقافتنا، علينا أن نتذكر أنه هو وأمثاله هم الدخيلون على ثقافتنا لا العكس.

 

*____________

هوامش:

[1] مالكوم أكس كان من أبرز الشخصيات التاريخية في حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة في الستينيات من القرن الماضيز اعتنق الإسلام وقام بعد بضعة سنوات بزيارة مطولة إلى السعودية حيث أدى مراسم العمرة قبل أن يتوقف في بيروت لبضعة أيام في طريقه للعودة إلى الولايات المتحدة. مصدر الاقتباس من كتاب: The Autobiography of Malcolm X, page 217. على الرابط التالي المزيد عن مالكولم أكس على ويكبيديا

 

 

2 comments

  1. mustafa · نوفمبر 4, 2017

    كالعاده يا استاذنا الكبير ، المقال جميل …

  2. knight · نوفمبر 13, 2017

    مقال رائع .. ووجهة نظر جميلة.. قد تذهب هباءا منثورا لو اعتبرنا ان العالم بدأ من ادم وبدأ بالتوحيد وليس ابتداءا من ما احاطته حجتك ( اي فقط من قبل اي نبي اتى يذكرنا بما كنا اصلا ) .. والدين برئ في نظري من تشدد كثير من المجتهدين فيه .. وليس السلاح هوا اكثر ماتدور فيه الدوائر .. لان اضخم حروب الكون كانت رأس ماليه وتلهث حول العرش والمال.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s