دورة كاملة حول الشمس

 

*

هنالك مسار للجميع في هذا الكون. للنجوم والكواكب والعصافير والرياح وحبيبات الرمال. لكِ ولي.

ومساري يأخذني دائماً إليكِ.

دربي في الحياة لم تكن قصيرة ولا سهلة. ولدت ومت عشرات المرات حتى الآن. ارتحلت وهُجّرت واستقريت وفرحت وانكسرت وأضعت ذاتي ثم وجدتها عدّة مرّات. لكن في نهاية المطاف، أخذني مساري إليكِ.

صادفت الكثير من الناس ومررت على أماكن كثيرة وغير متوقعة. منهم ما كان جميل ومنهم ما كان قبيح. منهم ما أشعرني بالحياة فيما بعضهم كانت تفوح منهم رائحة الموت. في كلّ هذه المغامرة الكبرى، لم أكن أعلم أن الكون يحبّني لهذه الدرجة. يحبّني لدرجة أن مساري أخذني في نهاية المطاف، إليكِ.

كل الدروب التي سلكها كلّ منا لكلّ هذه السنوات، أفضت بنا إلى مكان واحد، إلى لحظة تجمعنا لنقول فيها بضعة كلمات فقط لبعضنا البعض، ونكمل يومنا بشكل عادي، فيما نشاهد ألوان العالم من حولنا تتغيّر ببطء، وتعود للحياة قليلاً كل يوم.

كل خطوة مشيتها، وكل منعطف أخذته، وكل متجر صغير دخلت إليه وكل شخص تحدّثت معه لبضعة دقائق في صباح عابر، كان خطوة أخرى في اتجاهك أنتِ. كل شيء فعلته في حياتي كان قطعة صغيرة في لوحة أحجية شاسعة، ويا لها من لوحة جميلة حين اكتملت الصورة.

بضعة أيام ونكون قد درنا سوية لدورة كاملة حول الشمس. قرّرت الدنيا أن تتقاطع دروبنا، وقررنا نحن أن نمشي سوية على هذه البقعة الصغيرة من الفضاء. ها نحن هنا الآن وقد طفنا حول الشمس معاً لعام كامل، يوماً بعد يوم، أسبوع تلو أسبوع، وشهر بعد شهر، وفيما كانت الأرض تطوف حول شمسها كل ليلة، تفتحت أحلام صغيرة هنا وهناك، ازدادت دفئاً كلما لمسناها، وازداد بريقها كلما اقتربنا منها قليلاً.

* * *

أخاف أحياناً مما أحمله من صراعات كثيرة داخلي. صراعات مع الذات ومع العالم الذي يشعرنا أنه علينا أن نقاتل كل يوم لكي نحيا قليلاً. أخاف من رغبتي بالقتال، ومن رغبتي بالحب. أريد أن أصارع الكثير من التنانين في هذا العالم حتى النهاية، أن أنخرط لأبعد مدى في كل مشاكله وآلامه وقضاياه وصراعاته… لكنني أريد أيضاً أن أترك كل هذا العالم ورائي وأذهب بكِ إلى أبعد زاوية في هذا الكون. زاوية لا تصل إليها أيّ من قصصه الحزينة. زاوية نكون فيها وحدنا بعيداً عن كل شيء، نعيش مع القليل من أزهار دوار الشمس في الحديقة وطفلة صغيرة والكثير من المخلوقات الأليفة.

حين أفكّر بكِ وبافتتانك الدائم بالنجوم، أتذكّر مرّة حين أخبرتك أن عشقي لك يكبر بعدد النجوم التي تولد يومياً في هذا الكون الشاسع. كان لدي معادلة علمية حتى لأظهر لكِ كيفية احتساب الرقم. أذكر ضحكتك وقتها، وربّما الفكرة مضحكة وساذجة حقاً، لكن الأمر الأهم هو أنني انتبهت فيما بعد كم هي نعمة أن يُعطى لأي أحد أن يمتلىء بهذا الإحساس في عالم يزداد برودة كل يوم.

أحبّ أن أفكّر أنه كلما ولد حبّ على الأرض، في مكان ما من الفضاء الشاسع، تولد أيضاً نجمة تحمل روح هذا الحب وتتغذى من قوّته، وتستمرّ بإعطاء العالم نوراً ودفئاً بعد أن يرحل هؤلاء عن الحياة بفترة طويلة جداً. قد تكون فكرة ساذجة أو مضحكة برومنسيتها، لكنّي أحبّ أن أفكر أيضاً أن النجمة التي ولدت حين تحدّثنا للمرة الأولى، ستنير زاوية ما في هذا العالم لفترة طويلة جداً جداً.

هنالك مسار للجميع في هذا الكون. ومساري سيأخذني دائماً إليكِ.

 

3 comments

  1. Mohamad Elfil · نوفمبر 13

    beautiful.. i love it..thanks for sharing it.. peace

  2. وائل البحّار · ديسمبر 6

    رائع جدا ….كنت اريد ان اشاركها على صفحتي على الفايسبوك لكنني وجدتها خاصة جدا وصادقة الى وموجهة باتهاه واحد لا يقبل البعثرة …. كل التحايا لك

  3. وائل البحّار · ديسمبر 6

    رائع جدا ….كنت اريد ان اشاركها على صفحتي على الفايسبوك لكنني وجدتها خاصة جدا وموجهة باتجاه واحد لا يقبل البعثرة …. كل التحايا

التعليقات مغلقة.