تذكّر أنك ستموت

memento-mori-2

*

طوني صغبيني

*

لا يوجد جملة تعبّر عن الروح السائدة لعصرنا أكثر من الجملة الإنكليزية التي اشتهرت على الانترنت خلال الأعوام الماضية والتي تقول Y.O.L.O، أي You Only Live Once. الجملة تعني باللغة العربية “نحن نعيش مرّة واحدة فقط”، وبمعنى أوسع تشجّع على تحقيق الاستفادة القصوى من حياتنا على هذه الأرض والقيام بكلّ شيء نريد أن نقوم به في الفترة القصيرة المتوافرة لنا في الحياة. للوهلة الأولى قد تبدو هذه الجملة صحيحة، والبعض قد يقول أنها تصلح لتكون دليلنا في الحياة، وأوافق جزئياً على ذلك، لكنّي سأناقش هنا لماذا تعبّر أيضاً عن أسوأ ما في الذهنية السائدة في مجتمعنا وخصوصاً من ناحية علاقتنا مع الموت والحياة.

ما أوافق عليه هنا هو أنني أؤمن أننا يجب أن نعيش حياتنا إلى حدّها الأقصى، وقتنا على هذه الأرض ثمين وقصير ولا طائل على الإطلاق من إضاعة حياتنا في الكثير من الهراء الذي يُفرض علينا يومياً. من ناحية أخرى، ما لا أوافق عليه هو أن كلّ الهدف من الحياة هو عيشها لأنفسنا ولمتعتنا الشخصية فقط – وهو ما تعبّر عنه جملة YOLO في جوهرها.

رغم بساطتها تعبّر هذه الجملة عن فلسفة قديمة وُجدت منذ فجر الفلسفة نفسها، ونقصد Read More

أسوأ الأفكار الصاعدة في أوساط النشاط التغييري

...

*

طوني صغبيني

*

هنالك من دون شكّ تحوّلات كبيرة طرأت على أجواء النشاط التغييري والأوساط اليسارية خلال السنوات القليلة السابقة. رغم أن هذه التحوّلات باتت جليّة الوضوح خلال الفترة الأخيرة، إلا أن معظم التحرّريين والمنتمين لهذه الأوساط يبدون كأنهم غافلون عنها تماماً.

كنّا كتبنا في الماضي في كتاب “لعنة الألفية” عن مجموعة من الأفكار  التي تعتنقها التيارات التغييرية الحديثة والتي سبّبت لها فشل تلو آخر، لكن منذ إصدار الكتاب في العام 2013 حتى اليوم، ترسّخت بعض هذه الأفكار كأيدولوجيات لا منازع لها وتحوّلت إلى مسخ فكري بشع يحطّم قضاياه تحطيماً يميناً ويساراً. في ما يلي نتحدّث عن بعض من أسوأ هذه الأفكار.

*

فكرة الاحتماء في المساحة الآمنة Safe Spaces 

المساحة الآمنة هي مفهوم يقوم بالأساس على أنه يجب توفير حيّز مريح للفئات المعرّضة للعنف والظلم، لكي يتمكن الأفراد من مناقشة قضاياهم والعمل عليها بحرية ومن دون خوف. هذا يعني في الممارسة أنه لا يمكن حضور الرجال مثلاً في حلقة لدعم النساء اللواتي تعرّضن للاغتصاب، لأن وجود الرجال في هكذا حلقة سيؤدي إلى توتّر بعض المشاركات Read More

تعليق سياسي: صعود اليمين وانفصال نخب المجتمع عن الواقع

ردّة فعل مؤيّدي حملة هيلاري كلينتون عند إعلان فوز دونالد ترامب. الصدمة كانت نفسها تقريباً لدى معظم النخب الثقافية حول العالم.

ردّة فعل مؤيّدي حملة هيلاري كلينتون عند إعلان فوز دونالد ترامب. الصدمة كانت نفسها تقريباً لدى معظم النخب الثقافية حول العالم.

*

طوني صغبيني

*

كنت في دوام العمل في حزيران الماضي حين تم الإعلان عن نتيجة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي Brexit، حين صوت نحو 52 في المئة من الناخبين البريطانيين لصالح خروج دولتهم من الاتحاد. شاهدت وقتها صدمة الزملاء البريطانيين في المكتب ومعظمهم من الإدارة العليا للشركة، وذهولهم من نتيجة الاستفتاء. اعتبروه أنه يعبّر عن تخلف فئات السكّان غير المتعلّمين والريفيين والكهلة والعنصريين في أنحاء بريطانيا، في وجه “المتعلّمين والمثقفين” الشباب الذين يرون المستقبل مع الإتحاد الأوروبي.

حين تم الإعلان عن فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في نوفمبر ، حصل أنني كنت أيضاً في دوام العمل، وشاهدت ردّة فعل الزملاء الأميركيين والغربيين مباشرة أيضاً، فضلاً عن مئات التعليقات التي قرأناها جميعاً على مواقع التواصل الاجتماعي إثر هذا الحدث. الصدمة هنا كانت نفسها: طبقة “المثقّفين” – أو بتعبير اقتصادي وسياسي أدقّ – الطبقة الوسطى المنتمية لليسار الليبرالي – اعتبرت أن جحافل الجهلة، العنصريين، الريفيين، اتخذت قراراً يعبّر عن جهلها وعنصريتها.

رغم اختلاف المكان والزمان، إلا أن ردّة الفعل في أوساط نخب الطبقة الوسطى كانت موحّدة ومتشابهة في الحالتان، وهذه ظاهرة تستوجب أن نتوقف عندها قليلاً لما تحمله من دلالات. Read More

لماذا مات اليسار وماذا يعني ذلك للعالم الجديد

...

نُشر المقال التالي على موقع الجمهورية على هذا الرابط

*

طوني صغبيني

*

كنت قد بدأت بالكتابة حول معضلات اليسار المعاصر كمساهمة في ملف “اليسار والحرية” في موقع الجمهورية، وكان مضمونه يكمل طرحنا حول “لماذا يجب تجاوز اليسار” الذي قمنا بنشره منذ ثلاثة أعوام. بلغ النصّ نحو أربعة آلاف كلمة قبل أن أدرك أن كتابة ورقة نعوة لليسار لا يحتاج لأكثر من صفحة واحدة.

معظم الرفاق اليساريين سيرفضون هذا الطرح جملة وتفصيلاً، وقد يشيرون إلى أن موت اليسار هو أقدم أماني الفاشية والظلامية وأن أكثر ما نحتاجه اليوم هو عملية إعادة إحياء له. سأحاول في في هذا المقال أن أشرح لماذا اعتقد أن العكس هو المطلوب: دفن اليسار بات ضرورة لكي تتمكن قوى التغيير من بناء حركة جديدة (بل حركات عدّة) على قدر التحدّيات التي يطرحها العالم اليوم.

الملف الذي نشرته جريدة الجمهورية كان من المفترض أن يعبّر عن تجدّد الحيوية الفكرية لليسار وأن يطرح المساهمين فيه حلولاً للمعضلات اليسارية الحالية، لكنّي كلّما قرأت مقالاً منه شعرت كأن كل كلمة فيه تضيف حفنة إضافية من التراب على قبر اليسار، والشعور هذا ينطبق على كلّ أدبيات اليسار التي اطلعت عليها خلال السنوات الأخيرة من أينما كانت في العالم.

من الواضح أنه هنالك عالم جديد في طور التشكّل خلال السنوات الأخيرة، وهو عالم قلنا عنه أنه سيكون أكثر شبهاً بالماضي منه بالمستقبل نظراً لطبيعة الأزمة الشاملة التي تقف خلف تحولاته. العالم الجديد هذا سيكون مزيجاً من أسوأ كوابيسنا وأجمل أحلامنا، سيكون عالماً قبلياً، محلّياً، متسم بالصراعات القاسية والتحوّلات الجذرية، تقف فيه التكنولوجيا الفائقة التطوّر جنباً إلى جنب مع انقطاع الكهرباء عن ضواحي المدن، وتقف فيه أحدث السيارات إلى جانب الأطفال الحفاة في الشوارع. العديد من الأفكار والتصنيفات القديمة لا مكان لها في هذا العالم الجديد، ومنها اليسار التقليدي. المشهد الحضاري هذا لا ينبع من التفاوت الطبقي الكلاسيكي الذي نعرفه جيداً في ظلّ الرأسمالية، بل هو أيضاً نابع من عمليّة سقوط بطيء للحضارة تتشابه مع مرحلة سقوط الإمبراطورية الرومانية ودخول الإنسانية في العصور المظلمة من بعدها.

 العالم الجديد هذا يطرح علينا تحدّيات كبرى لم نواجهها من قبل، ونحتاج لأدوات جديدة ولأسلوب جديد في التفكير والعمل والعيش لكي يكون لنا دور في بناء المستقبل الآتي، واليسار العالق بين ستالينية القرن العشرين وليبرالية القرن الحادي والعشرين غير مؤهل للقيام بهذه المهمّة. فيما يلي بعض الأسباب التي تفسّر افتراضنا هذا. Read More

لماذا ظاهرة بوكمون جو ليست جذر كل الشرور (بعكس ما يخبركم إياه المناضلون على تويتر)

...

*

طوني صغبيني

*

خلال الفترة الماضية شهدنا أمراً نادراً ما رأيناه خلال السنوات الماضية: الناشطون الليبراليون واليساريون والإسلاميّون وجدوا عدواً مشتركاً لهم وحّد صفوفهم في معركة تمتد في كافة بقاع الكوكب، في كل القرى والمدن والشوارع التي انتشرت فيها فجأة جحافل… البوكمون.

لوهلة ، بدا لمن تابع ردّة فعل اليساريين والإسلاميين على شبكات التواصل الاجتماعي أن البوكمون هو جذر جميع الشرور التي تضرب مجتمعاتنا، ومثال صارخ عن الانحطاط الهائل الذي يضرب جذور حضارتنا الأصيلة. من  فتاوى التحريم التي قالت أن مخلوقات البوكمون الشريرة تعمل ليل نهار على إفساد العقائد الدينية وإلهاء الناس عن الصلاة، إلى مئات ستاتوسات الفايسبوك التي تشجب التهاء الناس بلعبة، وقف الإسلاميون والليبراليون واليساريون جنباً إلى جنب في معركتهم التاريخية ضد جيوش البوكمون الرهيبة.

لعبة البوكمون هي من دون شك ظاهرة مؤقتة، لكن هذه الظاهرة كشفت عن أشياء كثيرة في واقعنا الاجتماعي، كما أن ردّة الفعل الرافضة لهذه الظاهرة والمشتركة بين تيارات أيدولوجية متناقضة تخبرنا أيضاً الكثير. إن كنتم تابعتم الانفجار الغريب في الثقافة الشعبية الذي سبّبته لعبة بوكمون جو، تفضّلوا علينا بالقليل من الصبر لكي نشرح لماذا نعتقد أن ردّة الفعل السلبية تجاه هذه الظاهرة هي أيضاً ظاهرة تستحق الحديث عنها. Read More

لماذا نرغب لهذا العالم أن ينتهي

النهاية هي رغبة كامنة في وعينا البشري الحالي...

النهاية هي رغبة كامنة في وعينا البشري الحالي…

*

طوني صغبيني

*

إن شاهدتم أي فيلم سينما صدر خلال السنوات الأخيرة فهنالك احتمال كبير أن أحداثه كانت تدور حول نهاية العالم. الأمر نفسه نجده في مواضيع الروايات الحديثة وألعاب الفيديو والثقافة الشعبية بشكل عام: فكرة نهاية العالم تسيطر على المخيلة الثقافية للعصر الحالي بشكل مثير للاهتمام، وهذه الظاهرة تخبرنا الكثير عمّا يدور في لاوعينا البشري الجماعي هذه الأيام.

سواء أتت نهاية العالم عبر وباء الزومبي المتخيّل أو عبر كارثة مجهولة تترك المجموعات الناجية من البشر في صراع مرّ من أجل البقاء، من الواضح أن شعبية سيناريوهات نهاية العالم آخذة في التصاعد إلى درجات غير مسبوقة في ثقافتنا مع عشرات الأفلام والروايات والألعاب التي تصدر سنوياً وتتخيّل كلّ منها مستقبلاً أكثر قتامة مما سبقها. فما هو السرّ الذي تكشفه هذه الظاهرة؟ Read More

العبودية أو الموت: العمل في القرن الواحد والعشرين

(نُشر الإصدار الأوّل من هذا المقال في الأوّل من أيّار عام 2010، الإصدار الثاني نُشر في 1 أيار 2012، والإصدار الثالث في 1 أيار 2014. قمنا أيضاً بإصدار فيديو عن عبودية الوظيفة يتناول الأسباب الأساسية التي تظهر أن العمل المأجور هو عبودية حديثة)

*

طوني صغبيني

*

“إن أصعب نضال ضد العبودية يكون عندما تقّدم الأخيرة نفسها باسم الحريّة”

العمل في القرن الواحد والعشرين

*   *   *

في الأوّل من أيار من كل عام تطغى في الإعلام موجة تمجيد بـ”الحقوق” التي اكتسبها العامل خلال القرن الأخير، لكن لا يحتاج المرء للكثير من دقّة الملاحظة ليدرك أن كل هذا التمجيد ليس سوى صوتاً في الهواء تفنّده الحقائق المعاكسة على أرض الواقع. عمّال القرن الواحد والعشرين ليسوا أفضل حالاً من عمّال أي قرن مضى وقد يكونوا في الحقيقة يعيشون ظروف عمل أسوأ من كل الظروف التي مرّت على التاريخ البشري. العمل المعاصر عنوانه معروف وقاسٍ: العبودية أو الموت.

الرأسمالية تريد أن تقنعنا أن ظروف الجميع تحسّنت بسببها، لكننا نعلم أن ظروف العمّال والعمل لم تتغيّر سوى بالاسم. لقد انتهت تجارة الرقيق من عناوين الصحف لكنّها تستمرّ في الكونتنرات المغلقة الملقاة في مرافىء أوروبا وأفريقيا. لقد انتهى عمل السخرة بالاسم لكنّه يستمرّ في ضواحي البؤس والمصانع المظلمة والمكاتب الكئيبة. معظم عمّال وموظّفي العالم يعملون بما يشبه أجور السخرة – حفنة قليلة من المال تكاد لا تكفي لتأمين نصف قوتنا. لقد تم تحديد ساعات العمل القانونية بثمانٍ لكننا جميعاً نعمل بدوامين وثلاث لكي نتمكّن من سدّ حاجاتنا. لقد اختفت العبودية عن الورق لكنّها حلّت في منازلنا ومراكز عملنا. العبد هو من لا يمتلك حرّية الاختيار، ومن منّا اليوم يمتلك خيار الانصراف من عبودية عمله؟ الجوع والتشرّد والبؤس ينتظروننا عند أول منعطف في اللحظة التي نتوقّف فيها عن العمل، فالنظام حرص على ألا يكون هنالك سقف فوق رؤوسنا أو طعام على موائدنا إن لم نرهن عقولنا وأجسادنا له بالكامل. باستثناء طبقة محدودة من الأغنياء ومن هم في السلطة وحولها، جميعنا اليوم عبيد.

رغم كل ذلك، سيقوم السيستيم في الأوّل من أيار من كل عام بتمجيد العمل – لكنه في الواقع لا يمجّد سوى ثقافة العبودية، ثقافة الروبوت، ثقافة الالتزام بالصفّ والالتزام بالصمت إلا في مباريات كرة القدم والتنزيلات الموسميّة. سيمجّد السيستم “العامل المتفاني” The Hardworker، لكنه في الواقع لا يمجّد سوى الأكثر خضوعاً الذي يعني تفانيه إتقان فنّ تقبيل المؤخرات والإمعان في دفن شخصيته الإنسانية والتخلّي عن حريته وعلاقاته الاجتماعية وعائلته وهواياته ونفسه من أجل ترقية لن تزيد على حياته سوى شقاءً.

في الأوّل من أيّار من كل عام، سيمجّد النظام العامل لأنه “المنتِج”، لكنّه في الواقع لا يمجّده سوى لأنه المستهلك والعبد الذي تقوم عليه الآلة؛ يوهمه أنه حرّره من عبودية العصور السابقة ليخفي حقيقة أنه يمسك به من رقبته، وأنه يكبّله بعبودية الرغبة بتملّك ما لا يحتاج له. يوهمه أنه أعاد له إنسانيّته ليخفي واقع أنه جرّده منها حين جعلها مساوية لما يملكه: “قل لي أي كم لديك من المال وأي سيارة تقود وأي هاتف تحمل أقل لك من أنت”، هذه هي حكمة العصر الجديد.

في الأوّل من أيّار من كلّ عام سيمجّد “السيستم” العمل ويشيد بالحقوق التي اكتسبها العامل، وفي خضمّ ذلك لن يتحدّث بالتأكيد عن أننا في عالم يضطّر فيه بشر لبيع كلاهم، لبيع أطفالهم، أجسادهم، عقولهم، كراماتهم وحرّياتهم لكي يكون هنالك خبز على مائدتهم ليلاً.

*   *   *

العولمة والعمل: عودة المسحوقين

خلال القرون الماضية، انتهت في معظم أنحاء العالم قدرة الأفراد على تأمين الحدّ الادنى من غذائهم بأنفسهم بعد زوال البساتين والأرياف والزراعة المحلّية والفردية ونموّ الإقطاع المتملّك للأرض، وانتهى كذلك الحقّ بالسكن المجّاني بعد إخضاع الجغرافيا لسلطة الحكومات والبورصات والطبقات المسيطرة. نهاية السكن المجّاني والاستقلالية الغذائية خلق غالبية عددية لا تمتلك سوى قيمة عملها لتبيعها لكي تحصل على قوتها اليومي؛ غالبية هي من أطلق عليها كارل ماركس تسمية البروليتاريا، أو طبقة المسحوقين.
Read More

معضلات الأنركيّة كحركة ثورية

...

*

طوني صغبيني

*

كل من اعتبر يوماً أنه ينتمي للمدرسة اللاسلطوية يعلم أن هذا الانتماء يطرح على معتنقيه معضلات عديدة. هذه المعضلات أساسية لدرجة أنها تدفعهم للتساؤل باستمرار حول ما إذا كان وصف أنفسهم بالأنركيين هو كافٍ أو مناسب للتعبير عن قناعاتهم السياسية والفلسفيّة. وكاتب هذه السطور هو من هؤلاء، وهذا المقال هو محاولة للإجابة على هذه المعضلة.

كما يعلم معظم القرّاء الأعزاء، هنالك جزء كبير من طروحاتي على المدوّنة تستلهم من المقاربة اللاسلطوية وترفض الدولة والتسلّط بشكل قاطع، ومن الطبيعي بالتالي أن أكون قد تصارعت شخصياً مع فكرة ما إذا كان مناسباً التعريف عن نفسي كأنركي أم لا. معظم أعضاء فريق عمل راديكال بيروت خاضوا تساؤلات مشابهة أيضاً، كما العديد من الناشطين العرب والغربيين الذين قرأت عنه أو تعرّفت عليهم.

عندما قامت راديكال بيروت بطرح مشروع الجذور كنا قد توصلنا إلى خلاصتنا حول هذا الموضوع. قلنا وقتها أن Read More

لماذا زايتجايست ليست حركة تغييرية

نموذج للمدينة الفاضلة التي يحكمها الحاسوب المركزي في المنتصف، في أدبيات واقتراحات حركة زايتجايست

نموذج للمدينة الفاضلة التي يحكمها الحاسوب المركزي في المنتصف، المقترحة في أدبيات وخطط حركة زايتجايست

*

طوني صغبيني

*

في العام 2007، اشتعل عالم الانترنت بفيلم جديد يتحدّث عن مؤامرات دينية ومالية وسياسيّة مظلمة للسيطرة على العالم. الفيلم اسمه زايتجايست وتضمّن مزيجاً من المعلومات التاريخية الصحيحة والمعلومات الخاطئة، بعض نظريات المؤامرة، أفكار ساذجة حول الاقتصاد السياسي، وأفكار صحيحة نسبياً حول الاقتصاد المالي. وصل الفيلم إلى الملايين عبر الانترنت، وكان بالنسبة للعديد من أبناء جيلنا الشاب مدخلهم نحو ادراك وجود مشكلة في هذا العالم. بعد تحوّل الفيلم إلى ظاهرة، التقى مخرجه الأميركي بيتر جوزف، مع باحث علمي مغمور يبلغ 90 عاماً من العمر يُدعى جاك فريسكو، وهو مهووس قديم بـ”تطبيق أحدث تكنولوجيا الكومبيوتر لتنظيم الشؤون البشرية“.

اجتماع الاثنين أدّى إلى إطلاق حركة تدعو لعالم مختلف وترتكز بشكل أساسي على طروحات فريسكو. نجحت الحركة التي أطلق عليها اسم “زايتجايست” (أي روح العصر) في اجتذاب مئات آلاف المتطوّعين والمتحمّسين خلال السنوات الأخيرة. الحركة تزعم على موقعها الرسمي أنه لديها أكثر من 350 ألف عضو، وأكثر من 120 فرع فاعل في عشرات الدول حول العالم. هنالك الكثير من الناشطين الشباب يتحمّسون لها، ومنهم كثر في العالم العربي.

للوهلة الأولى، قد يبدو لنا أن حركة زايتجايست هي التعبير الحديث الأكثر اكتمالاً عن روح العصر وقضيّة التغيير. رغم ذلك، العديد من الراديكاليين، ومنهم نحن، يرفضون أخذ الحركة على محمل الجدّ، بل يرونها تخدم السلطات وقوى الأمر الواقع بشكل مباشر. كيف يمكن لحركة تدعو لتغيير البنية العالمية بشكل شامل أن تُتهم من قبل من يشاركوها الهدف نفسه بأنها تخدم السلطات وتضعف حركة التغيير الحقيقية؟ هذا المقال يهدف لشرح ذلك.

  Read More

المشرق بعد الطوفان: 10 حقائق يجب الاعتراف بها من أجل رؤيا سياسية سليمة

ماذا نفعل في حفلة جنون؟

ماذا نفعل في حفلة جنون؟

طوني صغبيني

*

يعيش المشرق – وكلّ العالم العربي – حفلة جنون ودماء لم نشاهدها من قبل في تاريخنا. وفي ظلّ الجنون هذا، تعيش الأوساط البديلة – من علمانيين ويساريين وأنركيين ونسويين وناشطين مدنيين واجتماعيين – حالة من التشوّش والضياع، رغم أن المرحلة تستوجب أقصى درجات الوضوح والجدّية. حالة التشوّش تبقى بطبيعة الحال أفضل من الاصطفاف الخجول أو الفخور إلى جانب الطغاة، جزمات العسكر، أو عمائم الإسلاميين، وهو مطبّ وقع فيه عدد كبير ممن ذكرناهم سابقاً.

حالة التشوّش والضياع في أوساط الناشطين المستقلّين واضحة، وخصوصاً في المشرق ومصر حيث تختلط الذرائع الدينية والمشاعر الطائفية بالشعارات السياسيّة بالوقائع الطبقية والأبعاد الدولية لتغذّي أزمة لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي. لذلك، وبهدف تحقيق القليل من الوضوح – نشارك بعض ما توصّلنا إليه من خلاصات، لعلّها تساعد من يقرأ على استنتاج خلاصاته الخاصّة.

 *

1) الجذور الحقيقيّة للأزمة

فهم جذور الأزمة ضروري لكي نفهم كيف ستتطوّر في المستقبل وما هي الحلول المستحيلة والحلول الممكنة. البعض يلجأ إلى تحليل الأحداث، القوى السياسيّة، أو الأجندات الدولية التي أدّت إلى اندلاع الربيع العربي والأزمات التي تلته، إلا أن جذور الأزمة هي في الواقع في مكان آخر. جذور الأزمة تعود بكل بساطة إلى الانهيار الحضاري: الرأسمالية الصناعية تنهار ببطء على وقع معضلة الطاقة التي تغذّيها ومجموعة أخرى من العوامل، وهذا يؤدي إلى تآكل مستويات المعيشة، ازدياد عدد المهمّشين، وانهيار الإجماع السياسي الذي كان يمكن من خلاله لدكتاتور أن يحكم من دون تحدٍّ (اقرأ كيف ساهم ذلك في خلق ظروف الثورة المصرية).

التوقيت له أسباب سياسيّة طبعاً، لكن الجذور اقتصادية وفيزيائيّة، وهذه الظروف لا يمكن تغييرها بتغيير رئيس أو حكومة. نحن نعيش آخر أيام روما، لكن روما هذه المرّة ليست امبراطورية، بل هي كل الحضارة الحديثة. لقد كتبنا حول هذا الموضوع منذ أعوام، لكننا للأسف لم نستطع تخيّل أن آخر أيّام روما ستكون قبيحة لهذه الدرجة.

 *

2) هذا اسمه انهيار

الأزمة إذاً ليست ببساطة أزمة مواجهة بين تيار سياسي وآخر، بل هي Read More