تذكّر أنك ستموت

memento-mori-2

*

طوني صغبيني

*

لا يوجد جملة تعبّر عن الروح السائدة لعصرنا أكثر من الجملة الإنكليزية التي اشتهرت على الانترنت خلال الأعوام الماضية والتي تقول Y.O.L.O، أي You Only Live Once. الجملة تعني باللغة العربية “نحن نعيش مرّة واحدة فقط”، وبمعنى أوسع تشجّع على تحقيق الاستفادة القصوى من حياتنا على هذه الأرض والقيام بكلّ شيء نريد أن نقوم به في الفترة القصيرة المتوافرة لنا في الحياة. للوهلة الأولى قد تبدو هذه الجملة صحيحة، والبعض قد يقول أنها تصلح لتكون دليلنا في الحياة، وأوافق جزئياً على ذلك، لكنّي سأناقش هنا لماذا تعبّر أيضاً عن أسوأ ما في الذهنية السائدة في مجتمعنا وخصوصاً من ناحية علاقتنا مع الموت والحياة.

ما أوافق عليه هنا هو أنني أؤمن أننا يجب أن نعيش حياتنا إلى حدّها الأقصى، وقتنا على هذه الأرض ثمين وقصير ولا طائل على الإطلاق من إضاعة حياتنا في الكثير من الهراء الذي يُفرض علينا يومياً. من ناحية أخرى، ما لا أوافق عليه هو أن كلّ الهدف من الحياة هو عيشها لأنفسنا ولمتعتنا الشخصية فقط – وهو ما تعبّر عنه جملة YOLO في جوهرها.

رغم بساطتها تعبّر هذه الجملة عن فلسفة قديمة وُجدت منذ فجر الفلسفة نفسها، ونقصد Read More

لا تعشقي كاتباً… ومعضلات أخرى

...

*

طوني صغبيني

*

من النصوص التي راجت مؤخراً على الانترنت تلك التي تنصح القراء بتجنب عشق صنف معيّن من الأشخاص، كتلك التي تقول “لا تعشقي يسارياً” أو “لا تعشقي مسافراً” وما شابه. ورغم أن لائحة الأشخاص الذين لا يجب أن نعشقهم – بحسب الانترنت – طويلة جداً وغير صحيحة في معظم الأحيان، لكن لعلّ أقربها للصحّة هو الجزء الذي ينصح بتجنّب عشق كاتب، وخصوصاً كاتب مغمور في القرن الواحد والعشرين.

أن تعشقي كاتباً يعني أنك ستكونين إلى جانب شخص يعيش صراعاً كل يوم لأن الكتابة الحقيقية في زمننا الحالي هي صراع يومي، صراع مع الذات ومع ألف تنين يحيط بنا في كلّ مكان، ونتيجتها الحقيقية على المدى البعيد هي إما الجنون، أو الاستسلام، وكلاهما نهاية مأساوية لا يستحقها أحد.

قلنا “الكتابة الحقيقية” ولم نقل الكتابة فقط، لا لأننا نريد تصنيف أحد، لكن لأنه من السهل جداً في هذه الأيام على أي شخص أن يعرّف عن نفسه بأنه كاتب من خلال بضعة نقرات الكترونية. التعريف لا يهمّ في كل حال، لأن الصراعات الوجودية المرهقة التي يعيشها أي كاتب حقيقي تجعل من صفته أمام الآخرين آخر همومه. الكتابة الحقيقية ليست جمع لايكات على فايسبوك، وليست مديح أصدقاء قريبين منّا سيعجبهم كل ما نكتبه بجميع الأحوال، وليست مجرّد كلمات منمّقة نجمعها قصّاً ولزقاً من هنا وهناك لإبهار القارىء… الكتابة ألم ومخاض وصراع ورقص وقتال.

يقول أحد كتّابي المفضلين أنه لا يكتب، بل ينزف على الورق، يفتح جراحه ويدع دماءه تسيل على الصفحة البيضاء. وهذا ما يجب أن تكون عليه الكتابة في زمن ينتظرنا فيه وحش رهيب عند كل زاوية. زماننا هو زمن صراع، والكتابة التي لا تشارك في القتال، التي لا تنضح بالحبّ، لا تستحقّ أن تكون فيه.

*

اتركوا الكاتب وحيداً

كنا نتحدّث عن صراعات الكاتب، وهي Read More

العادات الـ 50 للمغامر السعيد

...

*

طوني صغبيني

*

بعدما قام توأمي الشرير بوضع لائحة بالعادات الاستهلاكية الـ 50 التي يقترحها على الناس، اعتبر العديد من الأصدقاء والقراء أن النصّ مبالغ فيه لأنه ينتقد امور يفعلها الجميع (ومنها بعض الأمور التي أقوم بها بنفسي!) ، والبعض تساءل عمّا يتبقى لنا للقيام به إن كانت كل تلك الأمور استهلاكية وسخيفة. للأسف، معظمنا لا نعلم ماذا يمكن أن نفعل في حياتنا باستثناء اتباع السائد استهلاكياً والمقبول اجتماعياً. فيما يلي 50 عادة يمكن للمغامرين اتباعها من دون أن ينغمسوا في الاستهلاك السائد (في الواقع لقد كتبت 57 عادة لكن رقم 57 لا يصلح ليكون عنواناً :p):

*

1) انهض مع شروق الشمس واستمتع بأشعتها على جسدك قليلاً كل يوم.

2) تعلّم القليل من النجارة واصنع طاولة من باب قديم.

3) تعلم العزف على الطبل الافريقي واعزف مع اصدقائك على شاطىء البحر واجعل الجميع يرقص على الايقاع.

4) اركب القطار البطيء بين البلدات القديمة في اوروبا الشرقية واستمتع بأجمل الأمكنة المنسيّة في العالم.

5) صوّر 52 صورة في العام تخبر أفضل لحظات عامك واجمعها في ألبوم ورقي مطبوع.

6) امشي حافية على العشب.

7) سافر إلى بلد بعيد واستمتع بألوانه الغريبة.

*

من سوق شعبي في النيبال - الصورة بعدستي، أوكتوبر 2011

من سوق شعبي في النيبال – الصورة بعدستي، أوكتوبر 2011

*

8) تعلّمي التأمل العميق ومارسيه كل يوم لـ 15 دقيقة ولاحظي ارتقاء انتباهك ووعيك من مستوى إلى مستوى… Read More

تعلّم العادات الـ 50 للمستهلك السعيد

...

*

التوأم الشرير لطوني صغبيني

*

ليس من السهل أن تكون مستهلكاً ناجحاً هذه الأيام، وخصوصاً في ظلّ وجود أناس كثر ينتقدون أسلوب العيش هذا مثل صاحب مدوّنة نينار الذي يعتقد أنه فوق الثقافة السائدة وخارج الاستهلاك فيما هو يدوّن على حاسوبه الحديث متناولاً أفخم أنواع الشوكولاطة. فيما يلي نصائحي – أنا التوأم الشرير لطوني – لكي تكون مستهلكاً سعيداً:

1- اشتري القهوة من المقهى كل يوم وامشي في الأرجاء حاملاً الكوب الورقي الملوّن بفخر، حتى ولو كان هنالك قهوة في منزلك أو مركز عملك.

2- قم بـ Check In على فايسبوك كلما دخلت مقهى أو مبنى، وخصوصاً الفخمة منها؛ كلنا متشوّقون لمعرفة أين تكون كل دقيقة من اليوم.

3- اشتري هاتفاً ذكياً وضع عليه انترنت دائم ومئات التطبيقات.

4- اشتري الكثير من الثياب كل أسبوع أو اثنين، وارتدي بعضها مرة واحدة فقط في العام.

5- اشتري هاتفاً ذكياً آخر من نوع مختلف واحمل هاتفين في الوقت نفسه، انت محترف وتحب الفصل بين العمل والحياة الخاصة.

6- اشتري شالاً حريرياً من أهم الماركات، مع أنك تعيش في دبي والحرارة لا تتدنّى عن 28 طوال العام.

7- اشتري جهاز لوحي لاصطحابه معك إلى بعض الأماكن، فشاشة الهاتفين الذين تحملهما صغيرة وغير مناسبة للقراءة.

8- اشتري Read More

ظلمة في العالم، ونار في القلب (أفكار وجودية مبعثرة)

أنت موجود لكن هل تحيا؟

أنت موجود لكن هل تحيا؟

*

طوني صغبيني

*

الشذرة الأولى

*

لقد تغيّرنا يا صديقي، أو ربّما المشكلة الحقيقية هي أننا لم نتغيّر على الإطلاق فيما تغيّر الجميع من حولنا. أو ربّما كبرنا فيما لا نزال أولئك الحالمين بعالم أكثر ألواناً من العالم الرمادي الذي يحكم حياتنا. ها هم الجميع من حولنا يتحوّلون إلى أولئك الموظفين المتحمّسين للترقية والأزواج المنهمكين بمنازلهم الجديدة والأهل المتفاخرين بأطفالهم. لقد تحوّلوا إلى كل شخص آخر على هذا الكوكب، وليس في ذلك من خطأ. من منا لا يريد أن يعيش بسلام وهدوء وراحة بال؟

أما نحن يا صديقي، فكيف نقتلع كل هذا العالم وألمه من داخلنا وماذا نفعل بكل الحب والغضب الذي يسيل منّا؟ كيف نغلق القلب على كل تلك الآلام التي تحيط بنا ونمضي في أيامنا كأن شيئاً لم يكن؟ هل يعلم الجميع تعويذة سحرية لا أعلمها؟ أو ربما مهارة اجتماعية لم اكتسبها بعد تتيح لهم أن يغلقوا القلب وأن ينسوا؟ كيف نجلس وراء مكتبنا يا صديقي والكون واسع واسع وألف شمس تنتظرنا لنطلّ عليها من ألف حقل؟ كيف نجلس على كنباتنا يا صديقي فيما العالم يحترق وفيما أصبح صوت الأنين أغنية الأرض الحزينة؟

كتبت مرّة لصديقة ناشطة سياسياً نصيحة قلت Read More

روحانية من دون خوف: الخطوة الأولى للتصالح مع العالم

...

*

طوني صغبيني

*

معظم المجلّات العلمية والعديد من المفكّرين وقسم لا يستهان منه من المدارس والجامعات والكتب والإعلام تخبرنا اليوم بأن كل الأمور الروحيّة هي في جوهرها خوف يتم التعبير عنه على شكل خرافة. رغم ذلك، الملايين منّا الذي اختبروا يوماً ما تجربة روحية حقيقيّة يعلمون أن الافتراض المذكور غير صحيح. الروحانية هي الاختبار المباشر لقلب الوجود، مفلترة عبر الإدراك البشري. الروحانية هي جوهر الوجود معبراً عنه بالرموز. فهل هنالك مكان فيها للخوف؟

 *

هذا العالم الرهيب

صحيح أن الكثير من أدياننا السائدة حالياً ترتكز على الخوف. الخبر الجيّد هو أن هذه الأديان هي Read More

7 أفكار تميّز بين الحالمين والخطيرين

ننظر إلى الأفق ونقول: البداية قريبة!

البداية قريبة!

*

طوني صغبيني

*

كُثر منّا يحلمون بتغيير العالم، لكن بالنسبة لمعظمنا لا يتعدّى هذا الأمر مرحلة الحلم. هنالك قلّة تحمل حلمها معها على مرّ السنوات والظروف، تستمرّ بالقتال والرقص وتحتفظ بروحها الحرّة مهما كان الواقع حولها أليماً، منتظرة أحياناً الفرصة المناسبة لخوض معاركها – لخوض حلمها. بالنسبة لسلطات الأمر الواقع والقوى التي تضيّق الخناق على كوكبنا الصغير، أشخاص كهؤلاء هم خطيرون.

 *

1) الخطير لا يريد إرضاء الجميع

الخطير يعلم أنه لا يمكن إرضاء الجميع مهما فعل، ويعلم أن محاولة التغيير بحد ذاته ستخلق له الكثير من الأعداء. أما الحالم، فهو يأمل ويؤمن بأن الجميع سيكون راضياً ومتوافقاً على كلّ شيء لتحقيق التغيير، بل أنه في معظم الأحيان يعتقد أن معارضة الناس أو القوى الاجتماعية أو السياسية للمشروع التغييري هو نتيجة سوء فهم فحسب، لا نتيجة اختلاف جوهري في المصالح والتطلّعات والأهداف.

الخطير يعلم أنه هنالك مؤسسات وجماعات مستفيدة من الأمر الواقع، وأخرى متواطئة، وأخرى صامتة، وأخرى لامبالية، وأخرى متضرّرة، ولا يضيّع وقته بمحاولة جمع كل هذه الفئات تحت سقف واحد، ويعلم أن عمله سيؤدي إلى اصطدامه ببعضها عاجلاً أم آجلاً.

 *

2) الخطير يواجه Read More

“نحن موجودون، إذاً أنا موجود”

هذا الكون الذي يعيش فينا

هذا الكون الذي يعيش فينا

“نحن موجودون، إذاً أنا موجود”[1]

نحو إدراك وحدة الوجود وتخطّي جرح الانفصال عن العالم

*

 طوني صغبيني

 *

هذه هي مأساتنا الكبرى: نحن نعيش اليوم في ظلّ أكبر عدد من السكّان في التاريخ، ورغم ذلك، هنالك أعداد هائلة منّا تشعر يومياً أنها وحيدة، منعزلة، مُبعدة، ومنفصلة عن المجتمع الأوسع. عالمنا هو عالم الازدحام الأكبر، لكنّه أيضاً عالم الوحدة الأقسى. العديدون منا يشعرون بأنهم منفصلون حتى عن ذواتهم؛ يرون غريباً حين ينظرون إلى المرآة. عالمنا ليس عالم غربة جغرافية فحسب، بل غربة داخلية أيضاً. من أين يأتي هذا التناقض؟ كيف يمكننا، وسط عشرات الناس الذين نصادفهم يومياً، ووسط السهولة الفائقة في التواصل والتنقّل، أن نشعر بوحدة المتنسّكين في الغابات البعيدة؟

  هذه المفارقة الهائلة في مجتمع اليوم لديها العديد من الأسباب المعقّدة، منها أن الثقافة السائدة في مجتمعنا المعاصر هي ثقافة مجنونة بكل ما للكلمة من معنى، ومنها أن بعض الظواهر الثقافية-التكنولوجية السائدة تشجّعنا على الاتصال بالآلات بدل التواصل مع بعضنا البعض، بالإضافة إلى أسباب أخرى. لكن هنالك سبب مهمّ لوحدتنا المعاصرة، مدفون عميقاً في اللاوعي البشري، ونادراً ما يتم ذكره أو الانتباه له عند الحديث عن هذه القضية. بعض المدارس الفلسفية القديمة تطلق على هذا السبب اسم “وهم الانفصال”؛ لكن لا تدعوا كلمة “وهم” تخدعكم، فتأثيراته حقيقيّة جداً وتحكم نواحي كثيرة من حياتنا من دون أن ندرك. Read More

7 دروس من العام 2013 – وربّما توقّعات أكثر من فلكيّة للعام 2014

2013

*

طوني صغبيني

*

العام 2013 كان حافلاً. هذه الدروس التي يمكن أن نتعلّمها من أحداثه.

 *

أليكسا ليست فتاة روسيّة جميلة

أليكسا ليست فتاة روسيّة جميلة، بل هي أيضاً أقسى عاصفة ثلجية مرّت على الشرق الأوسط في التاريخ الحديث والتي غطّت الإهرامات بالثلوج وتسبّب بوفاة العشرات من البرد. وكذلك نسيبتها يولاندا، ليست ممثلة آسيوية بل أسوأ إعصار مداري في التاريخ ضرب الفيليبين وفييتنام، متسبباً بعشرة آلاف قتيل خلال بضعة ساعات.

ماذا حاولت عواصف أليكسا ويولاندا إخبارنا في العام 2013؟ أن التغيّر المناخي هو حقيقة وليس نظريّة، وهو ليس قضيّة بيئية بل قضية حياتية شاملة. طالما أن الرأسمالية الصناعية قائمة، التغيّر المناخي سيزيد سوءاً وسنشهد المزيد من العواصف المشابهة خلال العام المقبل.

الإهرامات مغطاة بالثلوج بعد العاصفة ألكيسا

الإهرامات مغطاة بالثلوج بعد العاصفة ألكيسا

 *

الزومبي قادمون

إن كنت تعتقدون أن Read More

نظرة جديدة للحياة

...

*

طوني صغبيني

*

في ظل موجة الجنون الديني التي تجتاح منطقتنا هذا هو الوقت المناسب لكي نعيد اكتشاف وإحياء أدياننا الأصلية القديمة ما قبل التوحيد. 

أي نظرة للحياة تقوم على رسم خطّ فاصل بين المؤمنين والكفار بحدّ السيف؛ وأي نظرة للحياة تقترح أن النساء ناقصات عقلاً أو ديناً أو حقوقاً؛ وأي نظرة للحياة تعامل الأرض والمخلوقات غير البشرية على أنها مجرّد سلع وأشياء – هي وصفات تستجدي الكارثة. ونحن ندفع الثمن.

هكذا نظرة تشجّع، أو على الأقل تحفّز الظروف الملائمة للعنف الأسري والعائلات المفككة، للانتحاريين في الأسواق التجارية، لجدران العزل والفصل العنصري، للتصحّر والأراضي الجرداء، ولجيوش من الملتحين من أديان ثلاثة يتقاتلون حتى الموت من أجل بضعة جدران في مدينة. 

ليس هنالك من طريقة للشفاء سوى بنظرة للحياة تشجّع على التناغم مع الذات، الآخرين، الأرض، والسماء. نحن نحتاج لنظرة يمكن أن تساعدنا على التطلّع إلى الشمس بخشوع من دون أن نحاول الانتصار عليها بآية؛ نحتاج لنظرة تساعدنا على التطلّع إلى التراب بامتنان من دون أن نحلم بجنّة بعيدة؛ نحتاج لنظرة تساعدنا على أن ننظر إلى بعضنا البعض ونرى أنفسنا…

نحن نحتاج لنظرة للحياة لا تحاول صناعة العالم وفقاً لكلمات في كتاب، بل نظرة تساعدنا على الغوص عميقاً داخل أنفسنا واكتشاف كم هو جميل قلب هذا الكون… 

 * * *