صراعي مع العيش في إحدى مدن الملح

من مدينة دبي

*

طوني صغبيني

*

حين أقول لأحدهم أنني أسكن في دبي؛ ألاحظ أن ذهنه يرسم فوراً صورة نمطيّة عنّي وعن حياتي: راتب عالي، مهنة مرموقة، حياة مادية مريحة، وشخصية غالباً ما ستكون مغرورة وسطحية ومهتمة بالأشياء المادية في الحياة. مثل كل الصور النمطية المسبقة، هنالك جزء من الحقيقة فيها: لا بالضرورة عنّي كشخص، لكن عن الجوّ الاجتماعي المهيمن بين الوافدين العرب إلى الإمارات الذين يولون أهمية كبرى للمال والوظائف في حياتهم. هذه الحقيقة تحديداً جعلت من سنواتي الخمس في هذا المكان صراعاً مريراً مع كل شيء من حولي؛ صراع وجودي حتى، أحاول فيه أن أبقى حقيقياً في مدينة مليئة بالأقنعة والمسرحيات.

* Read More

هل نستطيع إنقاذ قدرتنا على الحب؟

حين رأيتها، كانت تمشي نحوي وعلى وجهها ملامح ذاك الفرح الطفولي الذي أحببته فيها. كانت تحمل كيساً ضخماً يطلّ منه شيء غريب. حين وصلنا إلى المنزل وأخرجت محتواه، رأيت تمثالاً خشبياً داكناً، يمثل رجلاً أفريقياً نحيفاً مع قدمان طويلتان وبطن منتفخ، يحدّق بي. لم يكن هذا التمثال العجيب أوّل هدية غريبة منها، فقد اعتدت على كل الأشياء الغريبة التي أصادفها معها للمرة الأولى. المشكلة هنا هي أنها خططت لهذا الرجل الخشبي حياة طويلة، يقف فيها في زاوية غرفتي الصغيرة ويحدّق بي طوال الوقت.

لم يعجبني التمثال أبداً، لكنني أحببتها كثيراً، وعلمت أنه سيكون إحدى تلك الأشياء التي سأتعلّق بها فيما بعد لأنه يمثّل جزء طريف من علاقتنا وحياتنا معاً. قرّرت وقتها أن أطلق عليه اسم “سعيد”، تحديداً لأن انطباعي الأوّل عنه كان العكس تماماً. تحوّل سعيد إلى قاطن دائم في منزلي، ينظر إليّ بصمت، يتأمّلني من خلال ملامحه القاسية والغريبة، وكان شاهداً على الكثير من الأشياء الجميلة والكثير من الأشياء الصعبة أيضاً. بقي سعيد في الغرفة حتى نهاية تلك العلاقة العاطفية.

بعد نحو عام من انتهاء العلاقة، شعرت أن الوقت حان لينتقل سعيد إلى منزل جديد، Read More

الحب هو الأشياء الصغيرة

الحب في الأشياء الصغيرة -من رسومات الفنان الكوري puuung

الحب في الأشياء الصغيرة -من رسومات الفنان الكوري puuung

*

طوني صغبيني

*

كنت أقول دائماً لحبيبتي السابقة أن ذاكرتي ملعونة إذ إني لا اتذكر سوى الأشياء الجميلة في الحب. هذا ما يجعل عشقي دائم الحضور في حياتي، حتى بعد نهايته، كأنه يعيش خارج الزمان ومُعفى من أحكامه القاسية. اللعنة هذه تعني أنني أينما التفت في أيامي، لا أزال أجد الحبّ في الآلاف من الأشياء الصغيرة حولي.

في بعض أيام الصباح، الحب هو رائحة الفانيلا لاتيه، واعتقد أن تلك الفتاة ربّما اخترعت هذا المشروب ليكون هنالك رائحة مميزة تحملها إليّ كلّما مررت بالقرب من مقهى. في أيام أخرى، الحب هو أن أقرأ كتاباً أهدتني إياه بتمهّل شديد، صفحة أو اثنتان فقط كلّ بضعة أيام، لكي تطول القراءة ويبقى الكتاب قرب سريري. أحياناً أخرى يباغتني الحب في المصعد في المبنى الذي أقطن فيه، الذي كانت حبيبتي تتذمّر منه لخلوّه من المرايا فيما ابتسم في كلّ مرّة لأنني اتوقّع ردّة فعلها ما أن ندخل فيه. Read More

ثلاثون يوماً من دون كافيين

قهوة

*

طوني صغبيني

*

قد تكون القهوة الإدمان الأكثر رومنسية في ثقافتنا الشعبية. دواويننا الشعرية ورواياتنا المفضلة جعلت منها طقساً أسطورياً يتمتع بهالة دافئة من القداسة، وهي بالنسبة لمعظمنا ذاك السائل السحري الغامض الذي يربطنا بالكثير من الأمور الجميلة، كذوينا وأحبائنا وبلادنا وكتبنا وأحلامنا الصغيرة. فوق كلّ ذلك، القهوة هي صديقتنا الدائمة خلال سلامنا الصباحي ومغامراتنا الليلية الطويلة.

لعلّ كل ذلك هو ما يجعل من القهوة إدماناً فريداً من نوعه، وأنا متأكد أنه هنالك نسبة كبيرة من القراء سيعترضون حتى على تسميتها بالإدمان. خلال الفترة الأخيرة، وكالعديد من زملائي الذين يعملون في وظائف مكتبيّة، أصبحت اعتمد على الكافيين بشكل متزايد للتغلب على النعاس والتعب والملل المكتبي. كنت ابدأ الصباح بعدّة أكواب كبيرة من القهوة ويتبع ذلك أكواب أخرى من القهوة والشاي والمتة حتى ساعات الليل. أصبحت مع الوقت من أولئك الناس الذي لا يستطيعون بدء يومهم من دون قهوة – أي لا استطيع التحدث مع أحد أو البدء بأي مهمّة أو القيام بأي شيء يستوجب جهد جسدي أو ذهني قبل الحصول على جرعة كبيرة من الكافيين.

كنت قد تحدّثت سابقاً عن أهميّة التخلّص من كافة أنواع الإدمان للمساعدة في بناء حياة مستقلّة وبسيطة وحين لاحظت أن اعتمادي على الكافيين يقترب من الإدمان وجدت أنه قد حان الوقت للعمل بنصيحتي الخاصة. ذلك كان السبب لكي أجرّب التوقّف عن شرب كافة أنواع المشروبات التي تحتوي على كافيين لشهر كامل، وإرضاء فضولي حول تأثير ذلك عليّ.

*

الأيام السبعة الأولى

عند انتهاء اليوم الأول من دون كافيين، شعرت بأسوأ صداع يمكن أن يشعر به إنسان وبكمية هائلة من النعاس، كأن أحدهم كان يقوم بتنويمي مغناطيسياً بشكل خارق للعادة.

باستثناء الصداع، Read More

العادات السيئة التي نكتسبها في الغربة – وخصوصاً في دبي

*

طوني صغبيني

*

حين زرت دبي في العام 2012، شاهدت باستغراب فيما كان صديق لي يطلب دليفري لكيس “تشيبس” من البقالة في نفس البناية التي يقطن فيها، وفيما كان هذا الصديق العزيز يقرمش نوعه المفضل من البطاطاس، فكّرت ما إذا كان سيتّصل بشخص آخر ليأتي ويغسل له يداه فيما يبقى هو على الكنبة. الآن بعد قضاء ثلاثة أعوام في دبي لاحظت أنها مجرّد عادة واحدة من بين عشرات العادات الغربية التي يبدو أننا نكتسبها في الغربة وخصوصاً في مكان مثل دبي، حيث تشكّل أمور مثل الحرّ الشديد والمال الجديد والملل والاكتئاب أهم محرّكات الحياة. طبعاً، لست بريئاً شخصياً من بعض هذه العادات، وهي تفرض علي أن أكون أكثر يقظة لكي امنع نفسي من اكتسابها أو الانتباه إليها. هذه بعضها: Read More

اشتريت هاتفاً ذكياً… وقد يكون ذلك غلطة العام

هكذا أشعر في العالم اليوم. (الصورة من عمل جان جوليان على هذا الرابط http://www.boredpanda.com/smart-phone-addiction-technology-modern-world-jean-jullien/)

هكذا أشعر في العالم اليوم. (الصورة من عمل جان جوليان على الرابط في نهاية المقال)

*

طوني صغبيني

*

من تابع مدوّنتي منذ البداية يعلم أنني كنت حتى الشهر الماضي أرفض شراء هاتف ذكي، وشرحت أسبابي بشكل مسهب في تدوينة بعنوان “لماذا لا امتلك هاتف ذكي“. اليوم، أصبحت أكثر اقتناعاً بالأسباب التي ذكرتها في ذلك المقال، بل يمكنني أن أضيف عليها أسباباً جديدة، إذ إنني للأسف اضطررت على اقتناء هاتف ذكي مؤخراً – وذلك قد يكون الغلطة الكبرى لهذا العام.

*

رجل بدائي في عصر تكنولوجي

في الماضي كنت أحبّ هاتفي “الغبي” وفيما كنت أشاهد أصدقائي والناس عموماً يغرقون في هواتفهم ويدمنون شاشاتهم الصغيرة ويهملون بشكل متزايد العالم من حولهم، بدأ يتطوّر لدي نوع من النقمة تجاه الهواتف الذكية. نعم أعلم أن الهواتف الذكية غير مسؤولة عن هروبنا الذهني الجماعي من الواقع (الهروب من الواقع هو ردّة فعل طبيعية أحياناً على واقع لا يطاق)، لكن حين تبدأ أنت كإنسان بالتنافس مع الهواتف الذكية لتحصل على انتباه وتفاعل الناس من حولك من الصعب ألا تلعن تلك الآلة الصغيرة.

وجودي على الجهة الأخرى من التكنولوجيا – أي الشخص الوحيد في دبي الذي لا يقتني هاتف ذكي – جعلني أشعر Read More

لماذا ظاهرة بوكمون جو ليست جذر كل الشرور (بعكس ما يخبركم إياه المناضلون على تويتر)

...

*

طوني صغبيني

*

خلال الفترة الماضية شهدنا أمراً نادراً ما رأيناه خلال السنوات الماضية: الناشطون الليبراليون واليساريون والإسلاميّون وجدوا عدواً مشتركاً لهم وحّد صفوفهم في معركة تمتد في كافة بقاع الكوكب، في كل القرى والمدن والشوارع التي انتشرت فيها فجأة جحافل… البوكمون.

لوهلة ، بدا لمن تابع ردّة فعل اليساريين والإسلاميين على شبكات التواصل الاجتماعي أن البوكمون هو جذر جميع الشرور التي تضرب مجتمعاتنا، ومثال صارخ عن الانحطاط الهائل الذي يضرب جذور حضارتنا الأصيلة. من  فتاوى التحريم التي قالت أن مخلوقات البوكمون الشريرة تعمل ليل نهار على إفساد العقائد الدينية وإلهاء الناس عن الصلاة، إلى مئات ستاتوسات الفايسبوك التي تشجب التهاء الناس بلعبة، وقف الإسلاميون والليبراليون واليساريون جنباً إلى جنب في معركتهم التاريخية ضد جيوش البوكمون الرهيبة.

لعبة البوكمون هي من دون شك ظاهرة مؤقتة، لكن هذه الظاهرة كشفت عن أشياء كثيرة في واقعنا الاجتماعي، كما أن ردّة الفعل الرافضة لهذه الظاهرة والمشتركة بين تيارات أيدولوجية متناقضة تخبرنا أيضاً الكثير. إن كنتم تابعتم الانفجار الغريب في الثقافة الشعبية الذي سبّبته لعبة بوكمون جو، تفضّلوا علينا بالقليل من الصبر لكي نشرح لماذا نعتقد أن ردّة الفعل السلبية تجاه هذه الظاهرة هي أيضاً ظاهرة تستحق الحديث عنها. Read More

لماذا نجد صعوبة كبرى في الاستيقاظ باكراً

الاستيقاظ باكراً

*

طوني صغبيني

*

لا اعتقد أنني الموظف الوحيد على الكوكب الذي يفضّل الاستمرار في النوم على الاستيقاظ في الصباح الباكر والذهاب إلى وظيفته، ولا اعتقد أيضاً أنني الوحيد الذي يقرّر كل يوم أنه سينام باكراً ليستيقظ في وقت أبكر في اليوم التالي. رغم أن أجسادنا قد تطوّرت لتنام وتستيقظ بشكل طبيعي جداً بكلّ سلاسة كما بقية المخلوقات الحيّة على هذا الكوكب، يبدو أن المعاناة مع الاستيقاظ الباكر هي سمة أساسية للحياة في هذا العصر. ما هو السبب؟ ولماذا لا يتحدّث أحد عن ذلك؟

كوني من الأشخاص الذين يعانون من متاعب مزمنة مع الأرق ومع الاستيقاظ الباكر، فكّرت كثيراً في هذا السؤال وكرّست أوقات طويلة للبحث حول هذا الموضوع. حين بدأت بالتوصل إلى خلاصات، فوجئت بكم تكشف هذه المشكلة عن أزمات تتجاوز حياتنا الفردية وتعبّر حقاً عن جوهر أزمة العالم اليوم. حسناً حسناً، أعلم أن الجملة الأخيرة قد تبدو قفزة منطقية مضحكة، وأعلم أن بعض القرّاء يبتسمون الآن من قدرتي على استخلاص العبر الضخمة من كلّ شيء، لكن دعوني أشرح وجهة نظري قليلاً. Read More

استقبال الشمس على سفوح الهيمالايا

إحدى المشاهد من أعلى النقاط في سارانكوت على سفوح الهيمالايا. الصورة بعدستي.

إحدى المشاهد من أعلى النقاط في سارانكوت على سفوح الهيمالايا. الصورة بعدستي.

*

طوني صغبيني

*

كانت الساعة الرابعة صباحاً حين وقفت في البرد على سفح قرية سارانكوت في النيبال، اتأمل الدرب المتعرّج الذي يرتفع أمامي في ما بدا كأنه سلّم يصعد إلى السماء . كان الظلام لا يزال دامساً وبدا الدرج الذي أقف أمامه كأنه لا نهاية له، يصل إلى عالم غامض خلف الضباب. عدّلت الشال السميك حول عنقي، وفاحت منه رائحة خفيفة تذكرني بعطر حبيبة بعيدة وقتها، وما أن بدأت بالمشي حتى تملكني شعور خفيف بالحزن لأنني تمنيت لو أنني لا أسلك هذه الدرب الآن وحدي.

كنت سمعت في اليوم السابق أنه يمكن رؤية كامل سلسلة جبال الهيمالايا تقريباً من أعلى نقطة في هذه القرية الجبلية الصغيرة. بدا كأنه المكان المثالي لأكون مع الجبال والشمس؛ أردت أن أسبق الفجر وأن استمع قليلاً لما تحمله رياح الهيمالايا إليّ من قصص، وأن أفرّغ بدوري القليل مما في جعبتي لنجمة الصبح في هذه الوديان القديمة.

سارانغوت هي قرية مثيرة للاهتمام تقع في منطقة بوكارا الداخلية في النيبال. Read More

هل يجب إلغاء الرجال؟

من غلاف مجلة أتلنتيك لمقال بعنوان "نهاية الرجال".

من غلاف مجلة أتلنتيك لمقال بعنوان “نهاية الرجال”.

كنا نتحدث البارحة عن موضة إطالة الذقن لدى الشباب حين قالت لي صديقتي أنها تستغرب إصرار الرجال على إطالة ذقونهم هذه الأيام “كأنهم يريدون إثبات رجولتهم عن بعد كيلومتر”، بحدّ تعبيرها.

هذه الملاحظة البسيطة هي صائبة لدرجة كبيرة وتكشف في الواقع عن قضية مهمّة نادراً ما يناقشها أحد: الرجال يعيشون أزمة في الوقت الراهن، ورجولتهم كمفهوم وممارسة هي حالياً رجولة مأزومة أيضاً. إطالة الذقن هي إحدى تلك الأمور التي يبدو أن الرجال يحاولون من خلالها إعادة تأكيد رجولتهم في مجتمع يرفضها بشكل متزايد ويحمّلها مسؤولية كافة الآفات الاجتماعية ويحاول باستمرار تدجينها وتسطيحها لتصبح مجرّد شكل خارجي خالي من المضمون. المبالغة في الإصرار على الرجولة هي ردّة فعل على الرفض المستجدّ للرجولة، وعلى انهيار العقد الاجتماعي بين الرجال والنساء ونهاية أدوارهم التقليدية نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت خلال العقود الأخيرة.

لا أحد يناقش هذه القضايا بشكل حقيقي، وإن كان هنالك من نقاش فغالباً ما يكون جدلاً عبثياً بين الرجعيين (الدينيين غالباً) والتيار النسوي، اللذان رغم اختلافهما الأيدولوجي يشتركان برؤيتهما للرجولة كطغيان مطلق.

*

هل الرجولة آفة؟

للأسف، يتبنى التيار التحرّري والنسوي بشكل متزايد خطاباً أيدولوجياً متصلّباً يتمحور بشكل متزايد حول الرفض التام للرجولة. هذا الأمر دفعنا إلى العدول عن معالجة قضايا الرجال عدّة مرّات في الماضي، Read More