سرّ العين التي ترى كلّ شيء

all-seeing-eye

(منشورة سابقاً في مجلّة ميستيرا – بالإنكليزيّة)

*

طوني صغبيني

*

“العين التي ترى كلّ شيء”، التي تتمثّل عادة كعين محاطة بشعاع من النور داخل مثلّث، هي أحد أكثر الرموز شهرة في ثقافتنا الشعبيّة المعاصرة. نراه على الدولار الأميركي، على العديد من الرموز والمباني الأخرى، وهو الرمز المفضّل لدى أصحاب نظريّات المؤامرة الذين يرونه في كلّ مكان. للبعض، إنه رمز “عين الشيطان”، وللبعض الآخر هو العين الساهرة لله، ولآخرين هو الدليل القاطع على وجود مؤامرة ماسونيّة شرّيرة لتأسيس نظام عالمي جديد يقوده الأعور الدجّال أو الشيطان نفسه. لكن ما هي الحقيقة فعلاً حول هذا الرمز؟

 *

عين الشيطان

 معظم أصحاب نظريّات المؤامرة يعتبرون أن رمز “العين التي ترى كل شيء” هو للشيطان، ويعدّدون عدّة مقاطع من الإنجيل والقرآن حيث تعد الأفعى آدم وحوّاء بأن “عيناهما ستنفتحان” إن أكلا التفّاحة من شجرة المعرفة. العين في هذه الحالة تمثّل الشيطان، الذي يفتح عيون البشر على الشرور ويحرّضهم على الله.

بما أن العين يتم وضعها عادة على رأس هرم، فهي ترمز، وفقاً لمؤيدي هذه النظرية، إلى أن الشيطان نفسه هو قائد منظّمة هرميّة تُشرف على العمل الجاري لإرساء حكمه في العالم. الأشعة التي تنبثق من العين تعبّر بأن يده تصل إلى كل شيء في العالم، وتشير بنظرهم إلى الطرق الملتوية التي يتّبعها “ربّ الأكاذيب”، والمغلّفة غالباً بأهداف خيّرة.

أولئك الذين يعتبرون أن العين تمثّل الشيطان ويربطونها بنظريات المؤامرة حول الماسونيّة، يضيفون بأن العين لدى هذه الحركة وغيرها تمثّل ولائهم لإبليس.

 *

عين الرعاية الإلهة

 أصحاب نظريات المؤامرة هم محقّون في الواقع بما يتعلّق بأمر واحد: “العين التي ترى كلّ شيء” هي رمز قديم جداً، يعود إلى مصر القديمة وربّما أقدم.

هذا الرمز تم استعماله كثيراً لتمثيل عين الإله المصري حوروس، وكانت رمزاً للحماية الإلهيّة، التضحيّة، الشفاء، والصحّة الجيّدة. الرمز المصري المقدّس هذا كان اسمه “ودجات”، وكان المصريون والميديتيرانيين بشكل عام يؤمنون بأنه يبعد الشرور ويؤمّن الحماية الإلهية. ولا نزال نراه حتى اليوم معلّقاً فوق مداخل الكثير من البيوت على الساحل الشرقي للمتوسّط، أحياناً ممزوج مع “الخرزة الزرقاء” التي تمتلك الرمزيّة نفسها.

Eye-Of-Horus-Pictures2

عين حوروس

العبرانيّين القدماء والمسيحيّين في القرون الوسطى تبنّوا هذا الرمز على أنه رمز للخالق الذي يرى كل شيء. كتاب الأمثال في التوراة يقول على لسان سليمان أن “عين الربّ هي في كلّ مكان، ترى الشرور والخير على السواء” (15، 3). وبالتالي كانت العين تُعتبر على أنها رمز الرعاية الإلهية في الكون، عين الله نفسه.

رمز العين المفتوحة يظهر أيضاً في العديد من من الديانات الشرقية كالبوذيّة حيث يتم رسم عيون بوذا على المعابد كدليل على اليقظة والحماية الإلهيّة. في بعض النصوصّ الدينية، بوذا نفسه يُسمّى على أنه “عين العالم”. العين الثالثة على جبهة الإله شيفا في الديانة الهندوسيّة تمثّل أيضاً عين الحماية الإلهية التي تراقب كل ما يحدث في العالم.

 *

الصلة الماسونيّة

نظريات المؤامرة حول رمز العيّن التي تتحدّث عن الماسونيّة قد تكون مشتقّة جزئياً من حقيقة أن الماسونيّين تبنّوا فعلاً هذا الرمز على أنه أحد رموزهم الرسميّة منذ فترة طويلة. ظهر الرمز في محافلهم للمرّة الأولى في العام 1797، ممثلاً عين الله، الذي يُلّقب في الماسونية بأنه “المهندس الأعظم” . الماسونيّون يعتبرون في الواقع أن العين هي تذكير لهم بأن الله يراقب أفكارهم وأفعالهم دوماً.

 *

عين الروح

 إن كان معنى “العين التي ترى كل شيء” هو بهذه البساطة، لماذا إذاً هي شهيرة ومثيرة للنقاش إلى هذه الدرجة؟

 السبب هو لأنها تحمل فعلاً مفاتيح حقيقة مخفيّة، سرّ الوجود نفسه. لكي نصل إلى هذه الحقيقة، علينا أن نتجاوز محدوديّة العمليّات الذهنية، علينا أن نتجاوز محدوديّة الفكر والشعور وكل الثنائية التي تهيمن على نظرتنا للعالم.

 في لحظة صمت، في غمرة لطيفة في بحر الحياة، في نفس نشوة خارج المكان والزمان، قد تكشف هذه الحقيقة نفسها لنا؛ عين تراقب لكن لا يمكن مراقبتها، عين تشاهد لكن لا يمكن مشاهدتها، عين ترى لكنها لا تُرى… عين تكشف ارتباطنا الوثيق بكلّ ما هو قائم. عين تعطينا لمحة عن الشعلة المقدّسة التي تستعر تحت اللحم والعظام. إنها عين الروح، عيّن المقدّسة بذاتها.

ربّما هذا ما عناه الأديب اللبناني جبران خليل جبران حين قال: “العين التي أرى بها الله هي نفس العين التي يراني بها الله. عيني وعين الله هما عين واحدة في الرؤية، في المعرفة، وفي الحبّ”…

بقيّة اللغز هي لكم لتكتشفوها…

9 comments

  1. Abeer Khshiboon · فبراير 25, 2013

    يا سلام.. مقالة رائعة، وخاصّة الخاتمة!
    يسعد صباحك، ويخلّي العين اللي بتشوفي كلشي تحرسك عطول طنطون🙂

  2. ثائر · فبراير 25, 2013

    جميل شكرا لك على هذا التوضيح

  3. LuCa · فبراير 25, 2013

    ليت لي ألف عين ترى كل مايعرضه علي الوجود من عجائبه وطرائفه
    وليتني أبقى تائقا إلى مرأى ماخفي عني من أسراره ومكنوناته
    ليت لي ألف عين بدلا من عين واحدة أغمضت إلا من شعاع شحيح
    تغالبه الأنوار فوق خط الأفق البعيد

    * جبران

  4. لاديني · فبراير 26, 2013

    وهناك أيضاً من اعتبره عين زاحف!..نعم إنها ترمز لعيون الزواحف الذين يحكمون البشرية من خلال بعد رابع فضلاً عمن يعيشون منهم بيننا ويتحولون لبشر من أجل التمويه!..لديكم جميعاً دولارات ويمكنكم تأمل العين عن كثب والتأكد أنها ليست عين بشرية بل هي عين حيوان زاحف…هل علمتم الآن لماذا اختفت هيلاري كلنتون فجأة الفترة الماضية تحت عذر أعراض ارتجاج دماغي؟..ثم تم التخلص منها بكيري؟…لأن آلية تحولها من زاحفة إلى بشرية صارت تعاني من اختلال مؤخراً مما يهدد بكشفها أثناء مؤتمر صحفي مثلاً ، المشكلة كيف يتصرف السيد بيل كلنتون ليلاً معها الآن🙂

    من يشكك في هذا الكلام ما عليه إلا مراجعة مؤلفات ومواقع ويوتيوبيات ديفيد أيك وأتباعه، أما أنا فأدرك جيداً أنه مجرد شعار ماسوني ذو أصول تاريخية عرض لأهمها المقال، من يخطط لأمور سرية لا يوزع شعاراته من العملات إلى أرفف ألعاب الأطفال….

    كالعادة طوني متألق

    • Tony Saghbiny · فبراير 27, 2013

      هههههههههههه لازم تكون مقدّم أخبار بمحطّة ديفيد أيك😀
      لاديني العزيز مشتاقين صديقي بتمنى تكون بخير

  5. الدُب · مارس 5, 2013

    عرضٌ شيّقٌ يا طوني
    ربما لم يسمح نطاق المقال بذلك، لكني توقعت ان تسهب اكثر في الحديث عن “العين الثالثة” كنافذة الى الكون الداخلي للانسان وارتباطها ارتباطا وثيقا بتوسّع الوعي والرؤى والالهام والبداهة والابداع والتخاطر والتبصر والاستدلال على الهالات الطاقوية، الى آخره من القدرات. ربما هناك بعض الهوس بالعين الثالثة في بعض الدوائر، لكنها، يقينا، ليست شيئا يمكن تفعيله بالقراءة، بل عن طريق التأمل والغوص في “داخل” الانسان. علما ان “المختصين” بالشاكرات يقولون بوجود سبع أعين لا ثلاث، بالاضافة الى عين “اللاوعي”.🙂
    وربما هناك علاقة بالرمي بالعين (بالعامية: طرقتو عين).😉

    • Tony Saghbiny · مارس 5, 2013

      مراحب رفيق، بتمنى تكون منيح صديقي
      معك حق بالنسبة للعين الثالثة، ولكن موضوع العين الثالثة واسع جداً ويحتاج إلى مقال منفصل والمعالجة هنا ركّزت على الرمز البصري وبطريقة مقتضبة. رح كون بانتظار مقال منّك حول الموضوع!🙂 المواد حول هذه الامور باللغة العربية نادرة جداً وغير دقيقة في الكثير من الاحيان.
      ما عدا هيك مشتاقين يا معلّم

  6. الدُب · مارس 5, 2013

    لعيونك. بتنشرو ع مدونتك؟ انا خلص بطلت ادوّن. (مش ادون) ههه🙂
    نعم ادرك انك كنت تعالج الرمزية باختصار. وقمت بعمل جيّد.
    تشتاقلك العافية انا اللي مشتاق!

    • Tony Saghbiny · مارس 6, 2013

      أكيد مننشرو هون صديقي😀

التعليقات مغلقة.