العادات السيئة التي نكتسبها في الغربة – وخصوصاً في دبي

*

طوني صغبيني

*

حين زرت دبي في العام 2012، شاهدت باستغراب فيما كان صديق لي يطلب دليفري لكيس “تشيبس” من البقالة في نفس البناية التي يقطن فيها، وفيما كان هذا الصديق العزيز يقرمش نوعه المفضل من البطاطاس، فكّرت ما إذا كان سيتّصل بشخص آخر ليأتي ويغسل له يداه فيما يبقى هو على الكنبة. الآن بعد قضاء ثلاثة أعوام في دبي لاحظت أنها مجرّد عادة واحدة من بين عشرات العادات الغربية التي يبدو أننا نكتسبها في الغربة وخصوصاً في مكان مثل دبي، حيث تشكّل أمور مثل الحرّ الشديد والمال الجديد والملل والاكتئاب أهم محرّكات الحياة. طبعاً، لست بريئاً شخصياً من بعض هذه العادات، وهي تفرض علي أن أكون أكثر يقظة لكي امنع نفسي من اكتسابها أو الانتباه إليها. هذه بعضها: Read More

اشتريت هاتفاً ذكياً… وقد يكون ذلك غلطة العام

هكذا أشعر في العالم اليوم. (الصورة من عمل جان جوليان على هذا الرابط http://www.boredpanda.com/smart-phone-addiction-technology-modern-world-jean-jullien/)

هكذا أشعر في العالم اليوم. (الصورة من عمل جان جوليان على الرابط في نهاية المقال)

*

طوني صغبيني

*

من تابع مدوّنتي منذ البداية يعلم أنني كنت حتى الشهر الماضي أرفض شراء هاتف ذكي، وشرحت أسبابي بشكل مسهب في تدوينة بعنوان “لماذا لا امتلك هاتف ذكي“. اليوم، أصبحت أكثر اقتناعاً بالأسباب التي ذكرتها في ذلك المقال، بل يمكنني أن أضيف عليها أسباباً جديدة، إذ إنني للأسف اضطررت على اقتناء هاتف ذكي مؤخراً – وذلك قد يكون الغلطة الكبرى لهذا العام.

*

رجل بدائي في عصر تكنولوجي

في الماضي كنت أحبّ هاتفي “الغبي” وفيما كنت أشاهد أصدقائي والناس عموماً يغرقون في هواتفهم ويدمنون شاشاتهم الصغيرة ويهملون بشكل متزايد العالم من حولهم، بدأ يتطوّر لدي نوع من النقمة تجاه الهواتف الذكية. نعم أعلم أن الهواتف الذكية غير مسؤولة عن هروبنا الذهني الجماعي من الواقع (الهروب من الواقع هو ردّة فعل طبيعية أحياناً على واقع لا يطاق)، لكن حين تبدأ أنت كإنسان بالتنافس مع الهواتف الذكية لتحصل على انتباه وتفاعل الناس من حولك من الصعب ألا تلعن تلك الآلة الصغيرة.

وجودي على الجهة الأخرى من التكنولوجيا – أي الشخص الوحيد في دبي الذي لا يقتني هاتف ذكي – جعلني أشعر Read More

لماذا ظاهرة بوكمون جو ليست جذر كل الشرور (بعكس ما يخبركم إياه المناضلون على تويتر)

...

*

طوني صغبيني

*

خلال الفترة الماضية شهدنا أمراً نادراً ما رأيناه خلال السنوات الماضية: الناشطون الليبراليون واليساريون والإسلاميّون وجدوا عدواً مشتركاً لهم وحّد صفوفهم في معركة تمتد في كافة بقاع الكوكب، في كل القرى والمدن والشوارع التي انتشرت فيها فجأة جحافل… البوكمون.

لوهلة ، بدا لمن تابع ردّة فعل اليساريين والإسلاميين على شبكات التواصل الاجتماعي أن البوكمون هو جذر جميع الشرور التي تضرب مجتمعاتنا، ومثال صارخ عن الانحطاط الهائل الذي يضرب جذور حضارتنا الأصيلة. من  فتاوى التحريم التي قالت أن مخلوقات البوكمون الشريرة تعمل ليل نهار على إفساد العقائد الدينية وإلهاء الناس عن الصلاة، إلى مئات ستاتوسات الفايسبوك التي تشجب التهاء الناس بلعبة، وقف الإسلاميون والليبراليون واليساريون جنباً إلى جنب في معركتهم التاريخية ضد جيوش البوكمون الرهيبة.

لعبة البوكمون هي من دون شك ظاهرة مؤقتة، لكن هذه الظاهرة كشفت عن أشياء كثيرة في واقعنا الاجتماعي، كما أن ردّة الفعل الرافضة لهذه الظاهرة والمشتركة بين تيارات أيدولوجية متناقضة تخبرنا أيضاً الكثير. إن كنتم تابعتم الانفجار الغريب في الثقافة الشعبية الذي سبّبته لعبة بوكمون جو، تفضّلوا علينا بالقليل من الصبر لكي نشرح لماذا نعتقد أن ردّة الفعل السلبية تجاه هذه الظاهرة هي أيضاً ظاهرة تستحق الحديث عنها. Read More

لماذا نرغب لهذا العالم أن ينتهي

النهاية هي رغبة كامنة في وعينا البشري الحالي...

النهاية هي رغبة كامنة في وعينا البشري الحالي…

*

طوني صغبيني

*

إن شاهدتم أي فيلم سينما صدر خلال السنوات الأخيرة فهنالك احتمال كبير أن أحداثه كانت تدور حول نهاية العالم. الأمر نفسه نجده في مواضيع الروايات الحديثة وألعاب الفيديو والثقافة الشعبية بشكل عام: فكرة نهاية العالم تسيطر على المخيلة الثقافية للعصر الحالي بشكل مثير للاهتمام، وهذه الظاهرة تخبرنا الكثير عمّا يدور في لاوعينا البشري الجماعي هذه الأيام.

سواء أتت نهاية العالم عبر وباء الزومبي المتخيّل أو عبر كارثة مجهولة تترك المجموعات الناجية من البشر في صراع مرّ من أجل البقاء، من الواضح أن شعبية سيناريوهات نهاية العالم آخذة في التصاعد إلى درجات غير مسبوقة في ثقافتنا مع عشرات الأفلام والروايات والألعاب التي تصدر سنوياً وتتخيّل كلّ منها مستقبلاً أكثر قتامة مما سبقها. فما هو السرّ الذي تكشفه هذه الظاهرة؟ Read More

ماذا حصل لأطروحة السقوط البطيء للحضارة

هذه الصورة لم تعد خيالاً علمياً.

هذه الصورة لم تعد خيالاً علمياً.

*

طوني صغبيني

*

لو قال لنا أحدهم في العام 2010 أنه حين يحلّ العام 2016 سيكون هنالك ثلاثة حروب أهلية عربية تحصد مئات الآلاف وتهجّر الملايين من الناس، وأن العالم بأجمعه سيكون بمثابة مكان فُتحت فيه أبواب الجحيم على مصراعيها، لما كنّا سنصدّقه على الإطلاق ولقلنا له أنه يبالغ في سوداويته. للأسف هذا هو الواقع اليوم وهذا ما تنبّأت به أطروحة السقوط البطيء للحضارة الصناعية التي كُتب عنها بغزارة منذ عشرة أعوام على الأقل – من دون أن يعيرها أحد أي انتباه يذكر. ردّة الفعل المستغرِبة لهذا السيناريو شهدتها بنفسي كثيراً حين تحدثّت عن الأمر في كتابي الصادر عام 2011 بعنوان “الأزمة الأخيرة: السقوط البطيء للحضارة الصناعية“.

هنالك اليوم مئات آلاف المسلّحين المتقاتلين في شرقنا الحزين، منهم خلافة إسلاميّة تمتدّ من العراق إلى سوريا؛ الاتحاد الأوروبي مهدّد بالتفكك وأوروبا بصدد إغلاق حدودها والتحوّل إلى فاشية جديدة بسبب أزماتها المالية والسياسية الداخلية، فيما الاشتباكات المسلّحة بين عناصر الشرطة وأبناء الضواحي باتت خبراً يومياً في الولايات المتحدة. كلّ ذلك والاقتصاد العالمي يقف على حافة أزمة جديدة وهو لم يتعافَ بعد من انهيار السوق المالي في العام 2008.

رغم ذلك، لا يزال هنالك قلّة معدودة جداً تدرك ما الذي يحصل فعلاً في العالم، Read More

لماذا نجد صعوبة كبرى في الاستيقاظ باكراً

الاستيقاظ باكراً

*

طوني صغبيني

*

لا اعتقد أنني الموظف الوحيد على الكوكب الذي يفضّل الاستمرار في النوم على الاستيقاظ في الصباح الباكر والذهاب إلى وظيفته، ولا اعتقد أيضاً أنني الوحيد الذي يقرّر كل يوم أنه سينام باكراً ليستيقظ في وقت أبكر في اليوم التالي. رغم أن أجسادنا قد تطوّرت لتنام وتستيقظ بشكل طبيعي جداً بكلّ سلاسة كما بقية المخلوقات الحيّة على هذا الكوكب، يبدو أن المعاناة مع الاستيقاظ الباكر هي سمة أساسية للحياة في هذا العصر. ما هو السبب؟ ولماذا لا يتحدّث أحد عن ذلك؟

كوني من الأشخاص الذين يعانون من متاعب مزمنة مع الأرق ومع الاستيقاظ الباكر، فكّرت كثيراً في هذا السؤال وكرّست أوقات طويلة للبحث حول هذا الموضوع. حين بدأت بالتوصل إلى خلاصات، فوجئت بكم تكشف هذه المشكلة عن أزمات تتجاوز حياتنا الفردية وتعبّر حقاً عن جوهر أزمة العالم اليوم. حسناً حسناً، أعلم أن الجملة الأخيرة قد تبدو قفزة منطقية مضحكة، وأعلم أن بعض القرّاء يبتسمون الآن من قدرتي على استخلاص العبر الضخمة من كلّ شيء، لكن دعوني أشرح وجهة نظري قليلاً. Read More

استقبال الشمس على سفوح الهيمالايا

إحدى المشاهد من أعلى النقاط في سارانكوت على سفوح الهيمالايا. الصورة بعدستي.

إحدى المشاهد من أعلى النقاط في سارانكوت على سفوح الهيمالايا. الصورة بعدستي.

*

طوني صغبيني

*

كانت الساعة الرابعة صباحاً حين وقفت في البرد على سفح قرية سارانكوت في النيبال، اتأمل الدرب المتعرّج الذي يرتفع أمامي في ما بدا كأنه سلّم يصعد إلى السماء . كان الظلام لا يزال دامساً وبدا الدرج الذي أقف أمامه كأنه لا نهاية له، يصل إلى عالم غامض خلف الضباب. عدّلت الشال السميك حول عنقي، وفاحت منه رائحة خفيفة تذكرني بعطر حبيبة بعيدة وقتها، وما أن بدأت بالمشي حتى تملكني شعور خفيف بالحزن لأنني تمنيت لو أنني لا أسلك هذه الدرب الآن وحدي.

كنت سمعت في اليوم السابق أنه يمكن رؤية كامل سلسلة جبال الهيمالايا تقريباً من أعلى نقطة في هذه القرية الجبلية الصغيرة. بدا كأنه المكان المثالي لأكون مع الجبال والشمس؛ أردت أن أسبق الفجر وأن استمع قليلاً لما تحمله رياح الهيمالايا إليّ من قصص، وأن أفرّغ بدوري القليل مما في جعبتي لنجمة الصبح في هذه الوديان القديمة.

سارانغوت هي قرية مثيرة للاهتمام تقع في منطقة بوكارا الداخلية في النيبال. Read More

هل يجب إلغاء الرجال؟

من غلاف مجلة أتلنتيك لمقال بعنوان "نهاية الرجال".

من غلاف مجلة أتلنتيك لمقال بعنوان “نهاية الرجال”.

كنا نتحدث البارحة عن موضة إطالة الذقن لدى الشباب حين قالت لي صديقتي أنها تستغرب إصرار الرجال على إطالة ذقونهم هذه الأيام “كأنهم يريدون إثبات رجولتهم عن بعد كيلومتر”، بحدّ تعبيرها.

هذه الملاحظة البسيطة هي صائبة لدرجة كبيرة وتكشف في الواقع عن قضية مهمّة نادراً ما يناقشها أحد: الرجال يعيشون أزمة في الوقت الراهن، ورجولتهم كمفهوم وممارسة هي حالياً رجولة مأزومة أيضاً. إطالة الذقن هي إحدى تلك الأمور التي يبدو أن الرجال يحاولون من خلالها إعادة تأكيد رجولتهم في مجتمع يرفضها بشكل متزايد ويحمّلها مسؤولية كافة الآفات الاجتماعية ويحاول باستمرار تدجينها وتسطيحها لتصبح مجرّد شكل خارجي خالي من المضمون. المبالغة في الإصرار على الرجولة هي ردّة فعل على الرفض المستجدّ للرجولة، وعلى انهيار العقد الاجتماعي بين الرجال والنساء ونهاية أدوارهم التقليدية نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت خلال العقود الأخيرة.

لا أحد يناقش هذه القضايا بشكل حقيقي، وإن كان هنالك من نقاش فغالباً ما يكون جدلاً عبثياً بين الرجعيين (الدينيين غالباً) والتيار النسوي، اللذان رغم اختلافهما الأيدولوجي يشتركان برؤيتهما للرجولة كطغيان مطلق.

*

هل الرجولة آفة؟

للأسف، يتبنى التيار التحرّري والنسوي بشكل متزايد خطاباً أيدولوجياً متصلّباً يتمحور بشكل متزايد حول الرفض التام للرجولة. هذا الأمر دفعنا إلى العدول عن معالجة قضايا الرجال عدّة مرّات في الماضي، Read More

لماذا أحب موسيقى الميتال وأكره الجاز

حسناً أعلم أن محبّي الجاز يكرهون هذه التدوينة من العنوان – ومنهم أعزّ صديقان لي تشكّل الجاز موسيقاهما المفضّلة – وأعلم أن البعض سيعتبرني شخصاً جاهلاً أو أقل ثقافة بمجرّد تفضيلي لأي نوع موسيقي آخر على الجاز الذي يعتبره محبّوه قمّة الرقي والأناقة الموسيقية. يزيد الطين بلّة أن الموسيقى المفضّلة لي هي الميتال الذي يعتبره معظم الناس ضجيجاً مزعجاً وحاداً ولا يمكنهم أن يسمعوه لأكثر من عشر ثوانٍ.
لا بدّ من أن أشير أولاً إلى أنني استمع لبعض الجاز الجيد من وقت لآخر ولبعض الأنواع الموسيقية التي تتداخل معه، وهذه التدوينة ليست لإقناع أحد بأفضلية نوع موسيقي على آخر لأن الموسيقى ذوق شخصي صرف. ما يلي هو مجرد محاولة لتفسير ميلي الطبيعي لتجنّب الجاز كلّما ظهر أمامي – وتجنّب الذين يستمعون للجاز أيضاً.

لماذا لا أحب الجاز؟

 rock on

الجاز لا يخاطبني

السبب الأوّل هو Read More

الاقتصاد الرأسمالي يحكمه المرضى النفسيّون

لو كان هناك عقلانية في الحضارة الحالية لما كانت لتمشي نحو الهاوية بإرادتها كما تفعل اليوم.

لو كان هناك عقلانية في الحضارة الحالية لما كانت لتمشي نحو الهاوية بإرادتها كما تفعل اليوم.

في أحد الأيام خلال عملي السابق توجهت إلى مكتب أحد الزملاء الأردنيين لأهنئه بمولوده الجديد، وما أن لمحته حتى لاحظت أن وجهه شاحب من دون لون ويكاد لا يوجد فيه أي تعبير يشير للحياة. لم أسأله بعد عمّا ألمّ به حتى فسّر لي زميل آخر أنه طُرد للتو من الوظيفة. كان الزميل المذكور لا يزال عائداً من إجازة خصّصها لاستقبال طفله الأوّل ولم يتوقّع على الإطلاق خسارة عمله لأنه لا يوجد سبب يدعو لذلك، لكن يبدو أن مدير الشركة الذي يبحث دائماً عن أساليب جديدة لزيادة الأرباح قرّر أن ذلك هو الوقت المثالي لحرمان هذا الزميل من المدخول. حين رأيت مدير الشركة بعد الظهر، وجدته يمزح مع الموظفين ويضحك كأن شيئاً لم يحصل، وتساءلت في نفسي ما إذا يستطيع النوم براحة ليلاً وهو يعلم أنه حرم اليوم عائلة بأكملها من المدخول ومن الإقامة القانونية في البلد الذي نتواجد فيه، مع كل ما يعنيه ذلك من صعوبات وآلام.

كنت ساذجاً في تساؤلي هذا طبعاً، لأن المدير سينام مرتاحاً جداً، بل سيغفو بسرعة أكبر من معظم الموظفين لديه، وعلى الأرجح لن يتذكر ما حصل مع هذا الزميل إطلاقاً بعد بضعة أشهر عندما يتلقى مكافأة كبيرة على “حسن إدارته” من الإدارة العالمية للشركة – وهو الأمر الذي حصل فعلاً. فهذا المدير، كما معظم نظرائه من مدراء الشركات الكبرى اليوم، هم شخصيات معتلّة نفسياً (سيكوباتيةRead More