نحو الاستقلالية المالية 1: كيف يمكن للاختيار الصحيح لمنزلك أن يساهم في استقلاليتك المالية

*

هذا المقال هو جزء من سلسلة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمة

*

طوني صغبيني

*

قرار صغير واحد فيما يتعلّق بالسكن قد يعني حرفياً الفارق بين ادّخار ثروة أو صرفها. موقع المنزل، حجمه، وتشاركه مع آخرين، هي أمور ستفاجئكم كم تؤثر على استقلاليتكم المالية على المدى البعيد حين نناقشها أدناه.

الفارق في التكلفة بين السكن بمفردنا والسكن مع شريك في منزل من غرفة واحدة في بيروت مثلاً، يبلغ نحو 40 ألف دولار كل عشر سنوات، وفي دبي يبلغ هذا الرقم الضعف تقريباً. رغم ذلك، ورغم أن السكن هو المصروف الأكبر لدى أبناء جيلنا (خصوصاً أن غالبيتنا لا يمتلكون منازلهم الخاصة)، تهمل معظم نصائح الادخار هذا الأساس المهمّ جداً للاستقلالية المالية. لذلك فلنتحدّث قليلاً عن الاختيار الحكيم للمنزل وكيف يمكن لذلك أن يساعدنا في تحقيق استقلاليتنا.

...

*

لا تأخذ(ي) قرضاً سكنياً إلا إن توافرت الظروف المناسبة

النصائح التي يمكن أن نقدمها في هذا المجال تنبع عن تجربة شخصية، ويمكن أن نقول بثقة إن أخذ قرض سكني لثلاثون عام هو حكم بالإعدام الاقتصادي لمعظمنا حيث أن دفع القرض الشهري سيعتقلنا في عبودية أبديّة للبنك الذي يمتلك المنزل. إن كان يمكن تجنّب أخذ قرض لشراء منزل بأي طريقة كانت، فذلك ممتاز، لكن بالنسبة للغالبية منّا، القرض السكني هو الطريقة الوحيدة ليكون هنالك سقف فوق رؤوسهم.

الالتزام بقرض منزلي لعقود من الزمن هو قرار سيرافقنا مدى الحياة، لذلك من المهم جداً توفير الظروف المناسبة له والقيام به في الوقت المناسب لأن أي خطوة متعثرة في هذا المجال ستؤثر علينا لبقية حياتنا. ما نقصده بالظروف المناسبة هو مجموعة من العوامل.

العامل الأوّل هو ألا تكون الدفعة الشهرية للبنك أعلى بكثير من الإيجار الذي ندفعه حالياً؛ أي إن كنّا ندفع 500 دولار للإيجار شهرياً والقرض السكني سيجبرنا على دفع 1000 دولار في الشهر، فالأفضل ألا نقوم بالخطوة وأن نبقى على الإيجار. أما إن كانت الدفعة الشهرية للبنك ستكون نحو 500 دولار مثلاً أو حتى 600، عندها قد يكون القرض فكرة جيدة.

العامل الثاني هو أن تكون الدفعة الأولى للمنزل متوافرة بحوزتنا من أموالنا نحن وإلى جانبها القليل من المدّخرات الإضافية. هنالك أشخاص يقترضون من البنك ليسدّدوا الدفعة الأولى ثم يأخذون قرضاً سكنياً آخر لتسديد الثمن الباقي من المنزل، ما يجبرهم على دفع قرضين في الوقت نفسه لسنوات من الزمن – وهذه وصفة للإفلاس. من المهم أن يكون لدينا أيضاً القليل من المدّخرات الإضافية عند شراء المنزل لأنه هنالك الكثير من المصاريف التي لا نتوقّعها مثل كلفة المعاملات الرسمية والصيانة التي قد يحتاجها المنزل، فضلاً عن الأثاث وما شابه.

الأمر الجيّد في القروض الطويلة الأمد هو أن الدفعة الشهرية التي نسدّدها للبنك تصبح أقل قيمة مع الوقت بسبب التضخّم المالي (أي أن الـ 500 دولار الشهرية التي ندفعها اليوم قد تصبح بمثابة 300-350 دولاراً بعد 15 عام). إلى ذلك، القرض السكني، رغم مساوئه العديدة، قد يكون أفضل في البلدان التي يرتفع فيها الإيجار بشكل مستمرّ لأن الدفعة الشهرية تبقى نفسها فيما يستمرّ الإيجار الشهري بالارتفاع عاماً بعد عام.

العامل الثالث الذي لا بدّ من توافره لأخذ قرض سكني من دون التسبب بإفلاسنا هو طبعاً أن يكون لدينا مدخولاً ثابتاً واستقرار نسبي في عملنا لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن نأخذ قرضاً سكنياً ثم نخسر عملنا بعد بضعة أشهر، حيث سيعني ذلك أننا سنخسر السقف فوق رؤوسنا كما أننا سنخسر كل ما دفعناه من أموال حتى تلك النقطة.

العامل الرابع الذي سيساعدنا كثيراً هو أن نقوم بشراء المنزل مع أفراد عائلتنا أو شريكنا الحياتي (الزوجة أو الزوج) إن كان ذلك ممكناً، لأن ذلك يزيد من مناعتنا تجاه تقلّبات العمل كما أنه يخفّف من الضغط النفسي والمالي على الزوجين.

*

لا تشتري (أو تستأجر) منزلاً أكبر من حاجتك

هنالك اعتقاد شائع بأنه كلّما كان المنزل أكبر كلما كان ذلك أفضل، ومعظمنا يحبّون بطبيعتهم الأماكن الواسعة والمفتوحة مقارنة مع الأماكن الضيقة والمغلقة. للأسف، كلّما كان المنزل أكبر كلما كانت الدفعة الشهرية لتسديد ثمنه أكبر وكلما كانت مصاريفه أعلى. غرفة نوم إضافية واحدة في المنزل تكلّف في لبنان مثلاً نحو 90 ألف دولار إضافية على الأقل على مدى الأعوام، بما تضيفه على الثمن الإجمالي للمنزل وعلى فواتير الكهرباء والصيانة وما شابه. المساحات الإضافية في المنزل تحتاج أيضاً لأثاث إضافي وأغراض إضافية لملئها وهذا يعني المزيد من الجهد والمال الذي يجب تخصيصه للمنزل.

اعتقد أن غرفة نوم واحدة لكل شخص (للعازبين) ولكل شخصين (للمتزوجين) هي مساحة منطقية وكافية نسبياً لحياة مريحة. معظم الأزواج الذين ليس لديهم أولاد يمكن أن يعيشوا بغرفة نوم واحدة بكل سهولة. إن كنتم عازبين يمكنكم مشاركة المنزل مع صديق لكم، أو يمكن السكن في غرفة واحدة (استوديو) بدل بيت بغرفة نوم كاملة وغرفة جلوس.

هنالك حركة اسمها "المنازل الفائقة الصغر" في الغرب تذهب إلى حد اعتماد منازل صغيرة جداً لتجنب الديون والقروض وتحقيق الاستقلالية المالية. في الصورة منزل صغير مؤلف من غرفة جلوس صغيرة وسرير في الطابق الثاني.

هنالك حركة اسمها “المنازل الفائقة الصغر” في الغرب تذهب إلى حد اعتماد منازل صغيرة جداً لتجنب الديون والقروض وتحقيق الاستقلالية المالية. في الصورة منزل صغير مؤلف من غرفة جلوس صغيرة وسرير في الطابق الثاني.

*

شارك(ي) المنزل مع الأشخاص المناسبين

مشاركة السكن هو أمر لا مفرّ منه لمعظم أبناء جيلنا، إذ إن كلفة السكن هي أعلى من قدرتنا بمفردنا على تسديدها. هنالك عدد كبير منّا يتشاركون المنزل مع أهلهم أساساً ولا خيار كبير لهم بذلك. معظمنا في العالم العربي نسكن مع أهلنا حتى يحين موعد زواجنا، والبعض ينتقل مباشرة من منزل الأهل إلى منزل كبير بغرفتي نوم أو أكثر عند الزواج، ما يثقلهم بالكثير من الأعباء المالية في مرحلة حسّاسة من حياتهم.

البعض قد يقترح البقاء مع الأهل خلال مرحلة العزوبيّة لتوفير الجهد والمال الذي يحتاجه السكن بمفردنا، وهذا قرار يعود لكلّ منّا. رأيي الشخصي أن السكن مع الأهل يسبّب في الواقع متاعب يوميّة لنا ولأهلنا أكثر مما يحلّ، فهو يعيق استقلاليتنا ونموّنا الذاتي إلى حدّ كبير وخصوصاً أن الأهل في ثقافتنا الشرقية مشبعين بالعقلية الأبوية والسلطوية والرغبة بالسيطرة على تفاصيل حياة أولادهم. الخيار الثاني هو مشاركة غرفة مع صديق أو صديقة، وهو خيار مقبول مالياً عادة ومتاح بالنسبة لعدد كبير منّا.

مشاركة الإيجار مع شريك لها فوائدها المالية كما سبق وذكرنا (مثل تقاسم الإيجار، تقاسم الفواتير، تقاسم أعباء الصيانة…ألخ)، لكن لها جانبها السلبي أيضاً إذ تعني استقلالية أقل، احتمال صدام الشخصيات المختلفة، عدم تقاسم الأعباء المنزلية، اختلاف العادات أو وجود عادات سيئة لشريك السكن…ألخ. لذلك، الخيار سيكون أحياناً بين الكلفة المالية الإضافية مع استقلالية شخصية أكبر (السكن بمفردنا) أو توفير الكلفة مع استقلالية شخصية أقلّ (السكن مع الأهل أو شركاء آخرين).

*

الموقع الجغرافي للمنزل أهم من المنزل نفسه أحياناً

هنالك العديد من الناس الذين يختارون السكن في منازل بعيدة جداً عن مراكز عملهم، ما يؤثر بشكل سلبي جداً على وضعهم المادي وحالتهم النفسية وصحتهم على المدى البعيد. نحن ننتقل إلى عملنا يومياً، خمسة أيام في الأسبوع على الأقل، والسكن في منزل بعيد يعني إهدار الوقت والجهد والمال في الانتقال من وإلى العمل.

الكلفة الحياتية للمسافة هي مئات الساعات المهدورة خلال العام على الطريق؛ إن كنا نحتاج لـ45 دقيقة كل يوم للوصول إلى مركز عملنا فهذا يعني أننا نهدر نحو 450 ساعة سنوياً في الذهاب والإياب من وإلى العمل، مع ما يعنيه ذلك من توتّر وضغط نفسي مرتبط بالزحمة والقيادة والقلق حول إيجاد مواقف لركن السيارة.

أما الكلفة المالية للمسافة فيمكن أن تبلغ آلاف الدولارات سنوياً ثمناً للوقود وصيانة السيارة؛ السكن على بعد 45 دقيقة من العمل يعني في لبنان نحو 3000 دولار إضافية سنوياً في كلفة التنقل مقارنة مع السكن على بعد 10 دقائق منه، وهذا الرقم هو نفسه تقريباً في دبي، أي نحو 30 ألف دولار إضافية كل عشر سنوات.

أفضل اختيار جغرافي للسكن هو السكن الأقرب إلى مركز عملنا – والخيار المثالي هو المنزل الذي يتيح الوصول إلى مركز عملنا مشياً على الأقدام أو على الدراجة الهوائية. حين لا يكون ذلك ممكنا، ثاني أفضل خيار هو أن يكون المنزل قريب من محطات النقل العام الرئيسية، كالباص أو القطار.

اتباع النصائح التي نذكرها في المقال المذكور تستوجب بطبيعة الحال تأجيل أو إلغاء أحلام العيش بمنزل فخم من طابقين. في الحقيقة، اتباع هذه النصائح قد يتيح لنا تحقيق هذا الحلم في وقت لاحق. السكن في منزل صغير، مشاركة المنزل أو الغرفة مع شريك، واختيار مكان جغرافي قريب جداً من مركز العمل، هي كلّها أمور توفّر علينا ما بين 5 آلاف و10 آلاف دولار سنوياً في لبنان مثلاً (واعتقد أن الأرقام مشابهة في بقية البلدان)، أي ما بين 125 ألف دولار و250 ألف دولار خلال عقدين ونصف، وهو مبلغ كافٍ وحده لتحقيق الاستقلالية المالية الشاملة لمعظمنا. مذهل كيف يمكن لقرارات صغيرة كهذه أن يكون لها تأثير بهذا الحجم على المدى البعيد، أليس كذلك؟

10 comments

  1. ali · مايو 17, 2015

    مقال جميل أستاذ طوني

    لو تفكر اخي تستقر بمريكا أفضلهم لانه هنا الخيارات مفتاحه لك
    وحتى تسطيع شراء بيت مبالغ ليس عاليه
    عكس الشرق الأوسط

    • Adon · مايو 18, 2015

      شكراً علي،
      فعلاً البيوت بأميركا أسعارها مفاجئة وخصوصاً أن مستوى الدخل أعلى بكثير من العالم العربي.
      لا أعلم ان كنت سأستقر بأميركا، اعتقد أنني سأبقى في العالم القديم حالياً😀

      • Aissa · مايو 18, 2015

        مقال جميل ومفيد.. كعادتك “أدون”.. تشكر.
        “طوني” مارأيك لو تكتب لنا مواضيع عن “الوعي” وكيفية زيادته وقياسه على مقياس هاوكينج.

        • Adon · مايو 21, 2015

          شكراً عيسى،
          إحدى المشاريع الكتابية المقبلة هي حول الوعي والاستيقاظ والإرادة، لكن اعتقد أنها ستكون في العام المقبل لا العام الحالي.
          إلى ذلك، لا اعرف ماذا تقصد بمقياس هاوكينج، سأبحث عنه : )
          سلامي

          • Aissa · مايو 21, 2015

            عذرا “طوني” أخطأت هو مقياس هاوكينز للوعي ضمنه في كتابه Power Vs Force by David R. Hawkins .. http://www.amazon.com/Power-Force-David-Hawkins-Ph-D/dp/1401945074
            أعجبتني مقالاتك التي كتبتها في مجلة الاسكندرية عن “الوعي” و”اليقظة” .. تشكر كثييييرا “أدون” .

            • Adon · مايو 21, 2015

              الشكر لك صديقي.
              لقد كتبت بحثاً صغيراً في السابق حول مقياس هاوكينز في مجلة مطبوعة؛ طرحه جيد لكنه يستعمل مقاربة مختلفة عمّا سأستخدمه في المقالات المقبلة. سأعود لأكتب بضعة مقالات حول هذه المسائل قبل السلسلة حول الوعي.
              اتمنى أن تكون المقالات مفيدة دائماً لك صديقي

      • ali · مايو 21, 2015

        أتمنى ان تأتي
        ونتشرف با استقبالك
        😉

  2. تنبيه: سلسلة جديدة: ليلة الهروب من السيستيم – العيش البسيط وتحقيق الحرية الذاتية في زمن الأزمات | نينار
  3. Abdelrahman Ragaey · مايو 18, 2015

    مقال جميل و مفيد ..شكرا لك

    • Adon · مايو 21, 2015

      شكراً لك عبدالرحمن

التعليقات مغلقة.